
مها طبيق
البيان الصادر عن الرئاسة المصرية بمناسبة زيارة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة جاء نصًه سياسيًا محسوبًا بعناية ، ويحمل في طياته رسائل ردع ، ويعيد تعريف الأزمة السودانية من زاوية المصالح المصرية ، بعيدا من النظر إلي زاوية السيادة السودانية أو حق السودانيين في تقرير مسارهم السياسي .
افتتح البيان بالإشارة إلى الأوضاع الإنسانية والمذابح في دارفور ، مع تركيز خاص على الفاشر . ظاهريًا ، يبدو ذلك تعاطفًا مشروعًا مع المدنيين ، لكن سياسيًا هو مدخل ذكي لتسويق مواقف أكثر صرامة لاحقًا . استخدام المأساة الإنسانية هنا الي تحصين الخطاب المصري أخلاقيًا ، بحيث يصبح الاعتراض عليه لاحقًا وكأنه اعتراض على حماية المدنيين ، لا على تدخل سياسي أو فرض وصاية غير مباشرة .
إقحام “رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب” في بيان يتعلق بالسودان ، القاهرة هنا تعلن بوضوح أنها تتحرك تحت مظلة دولية ، وتربط موقفها بمسار الرباعية . هذا الاستدعاء لا يخدم السودان بقدر ما يخدم القاهرة، لأنه يرفع تكلفة أي اعتراض إقليمي أو دولي على موقفها . ويمنحها شرعية استباقية لأي تحرك سياسي أو أمني لاحق .
عندما يتحدث البيان عن “وحدة السودان” ، و“رفض الكيانات الموازية” ، و“الحفاظ على مؤسسات الدولة” ، فهو لا يطرح مبادئ عامة ، بل يقدم تعريفًا مصريًا لشكل الدولة السودانية المقبولة لديها . فوحدة السودان تُفهم هنا كوجود سلطة مركزية واحدة يمكن التنسيق معها أمنيًا . ورفض الكيانات الموازية يستهدف منع أي اعتراف سياسي بسلطات بديلة قد تفرزها الحرب أو التسويات الجديدة . أما “مؤسسات الدولة” ، ففي سياق الحرب ، فهي تعني عمليًا المؤسسة العسكرية في موازاة الدولة المدنية .
هذا الخطاب يعكس رؤية أمنية خالصة ، ويعيد إنتاج معادلة ترى في الجيش الضامن الوحيد للدولة ، رغم أن التجربة السودانية أثبتت أن عسكرة السياسة كانت هي الأزمة .
البيان يلوّح باتخاذ “كافة التدابير والإجراءات اللازمة” استنادًا إلى القانون الدولي واتفاقية دفاع مشترك . غير أن هذا التلويح يفتقر إلى الدقة القانونية ، حيث أن اتفاقيات الدفاع المشترك رغم أنه تم إلغاءه ، لا تُفعَّل إلا في حال تعرض دولة لعدوان خارجي واضح . كما أنه لا توجد وثيقة نافذة معلنة تبرر حديث التدخل . أضف إلي أن اتهام أطراف إقليمية بعينها بالتدخل يضع القاهرة في تناقض عملي هل هي مستعدة لتحويل هذا الخطاب إلى التزام عسكري فعلي ؟ الرسالة هنا سياسية ردعية ، هدفها ترهيب الخصوم وضبط الحلفاء .
اللافت أن القاهرة ، التي ترفع شعار “لا كيانات موازية” في السودان ، تعاملت لسنوات مع واقع منقسم في ليبيا ، ومع سلطات متوازية في الساحة الفلسطينية . هذا يؤكد أن المبدأ ليس ثابتًا ، وتستخدم كأداة مصلحية حين يهدد الواقع الجديد نفوذ القاهرة ، وتُهمل حين يخدمه .
رغم غياب أي ذكر مباشر لسد النهضة ، فإن تكرار عبارة “الأمن القومي المصري مرتبط بالأمن القومي السوداني” لا يمكن فصله عن ملف مياه النيل .
القاهرة تريد سودانًا منضبطًا في تموضعه الإقليمي ، لا سودانًا يعيد النظر في اصطفافاته أو يفتح خيارات جديدة في ملف النهر . تجاهل ذكر السد يعني تجنّبًا لفتح جبهة دبلوماسية إضافية .
أكثر ما يضعف البيان هو حديثه عن “سلامة أراضي السودان” في ظل استمرار سيطرة مصر على مثلث حلايب وشلاتين منذ 1995. هذا التناقض لا يمكن تجاوزه ، وذلك لأن مصر تطالب بحماية حدود السودان ، لكنها ترفض تسوية نزاع حدودي سوداني–مصري بالتحكيم الدولي . هنا تتحول السيادة من مبدأ إلى أداة انتقائية ، ويُطرح سؤال مشروع ، من يملك حق تعريف “سلامة الأراضي” أصلًا ؟
البيان المصري هو نص نفوذ يسعى إلى ضبط مستقبل السودان وفق حسابات الأمن القومي المصري ، مستخدمًا لغة إنسانية ومظلة دولية لتقليل كلفة هذا الدور . ونقد البيان هنا لا يعني بالضرورة معاداة مصر ، بل الدفاع عن مبدأ أساسي : هو ان السودان دولة ذات سيادة وليس ساحة إدارة أمنية ، وشعبه وحده يملك حق تعريف دولته ومؤسساتها ومسارها السياسي .
مها الهادي طبيق
19 ديسمبر 2025




