
نجم الدين دريسة
حين تُقدَّم الثروة على الإنسان، يصبح الوطن مجرد صفقة
نقولها بوضوح لا لبس فيه: كامل تقديرنا واحترامنا لدولة جنوب السودان، شعبًا ودولةً وحقًا مشروعًا في حماية مصالحها الاقتصادية. هذا موقف مبدئي لا نقاش حوله. لكن هذا التقدير، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون غطاءً لتبرير أخطاء جسيمة ارتكبتها أطراف سودانية فرّطت في السيادة، وتهاونت في الدم، وقدّمت الثروة على الإنسان.
فالقضية هنا ليست جنوب السودان، بل السودان نفسه: من الذي سمح؟ ومن الذي وقّع؟ ومن الذي قرر أن تُدار أزمة وطن ممزق بمنطق الصفقات، لا بمنطق الكرامة الوطنية.
الاحترام بين الدول لا يعني التنازل عن الأرض
إن إدخال أي جيش أجنبي إلى داخل الأراضي السودانية، تحت أي مسمى—حياد، حماية منشآت، أو تأمين استثمارات—هو انتهاك صريح للسيادة، وجريمة سياسية مكتملة الأركان، لا تُخففها الأعذار ولا تُبررها الظروف. فالسيادة، حتى وهي منتهكة بفعل الحرب، لا يجوز تحويل انتهاكها إلى سياسة رسمية.
لقد علّمنا التاريخ القريب أن كل تفريط يبدأ صغيرًا، ثم يكبر. هكذا ضاعت حلايب وشلاتين وأبورماد، وهكذا تمددت القوات الإثيوبية في الفشقة، لا بقوة السلاح وحده، بل بضعف الدولة، وتواطؤ الصمت، وسوء التقدير. واليوم يُراد تكرار الخطأ نفسه باسم النفط، وكأن التجربة لم تكن كافية، وكأن الدم السوداني رخيص إلى هذا الحد.
ما عجز السلاح عن حمايته، لا تحميه الصفقات
إن النفط الذي يتسابقون لحمايته لم يُنقذ السودان يومًا، بل كان في أغلب محطاته وقودًا للحرب، ومصدرًا لفساد السلطة، وسببًا في إطالة أمد العنف. واليوم، بدل أن يكون مدخلًا للسلام، يُستدعى كذريعة لتجاوز وقف الحرب، والقفز فوق الجثث، وتقديم المنشآت على البشر.
نقولها بلا مواربة: الثروة ليست أهم من الدماء المسفوكة. وأي سلطة، أو جماعة، أو قيادة، تضع حماية النفط فوق حماية الإنسان، قد فقدت شرعيتها الأخلاقية بالكامل.
الأوطان لا تُبنى بالأنابيب، بل بالأحياء
الأخطر من دخول جيش أجنبي هو تطبيع الفكرة نفسها. اليوم جيش لحماية النفط، وغدًا جيش لحماية الزراعة، وبعده جيش لحماية الموانئ والطرق. وهكذا، يتحول السودان إلى ساحة مفتوحة للجيوش، بلا قرار وطني، وبلا حد أدنى من الكرامة السيادية.
وهنا لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها: المسؤولية تقع أولًا وأخيرًا على الأطراف السودانية التي سمحت وتهاونت ووقّعت. لا دولة تُلام لأنها تسعى لمصالحها، الملام هو من فرّط في أرضه، وهو أعزل أخلاقيًا قبل أن يكون عسكريًا.
من يفرّط في الإنسان، سيفرّط في الأرض
إن الثروة الحقيقية ليست النفط، ولا الذهب، ولا الموانئ، ولا الأنابيب. الثروة الحقيقية هي الإنسان السوداني: حياته، وكرامته، وأمنه، ومستقبله. وكل اقتصاد لا يُبنى على حماية الإنسان هو اقتصاد حرب، وكل أمن لا يبدأ بحماية المدنيين هو أمن زائف.
إن الطريق الوحيد لحماية الموارد هو وقف الحرب فورًا، وحماية المدنيين، واستعادة القرار الوطني من قبضة السلاح والصفقات. أما الاستقواء بالغرباء، فليس حلًا، بل إعلان فشل، وتوقيع على تنازل تاريخي سيدفع ثمنه القادمون لا الحاضرين.
السيادة لا تُستعاد بالاستعانة بغير أهلها
ختامًا، نقولها للتاريخ قبل الحاضر: لا نفط يعلو على الدم، ولا استثمار يسبق كرامة الإنسان. وأي محاولة لتمرير دخول الجيوش الأجنبية إلى السودان، تحت أي ذريعة، ستظل وصمة سياسية وأخلاقية، مهما تغيّرت العناوين وتبدلت المبررات. فالوطن الذي لا يحمي إنسانه أولًا، لن تحميه ثروته، ولن ينقذه نفطه.




