
د. جودات الشريف حامد
السودان الذي يُخاطَب اليوم ليس هو السودان الذي كان يُدار بالبيانات والتوجيهات والتحذيرات الملفات الأخلاقية ولا بالنصائح المصاغة على مقاس نخب معروفة بعمالتها عبر التاريخ، ذاك السودان المُتصور في مخيلة (الباشاوات) قد انتهى بلا رجعة وأفل نجمه المشئوم بلا طلعة، ولم يعد له وجود على أرض واقع النضال المدني التراكمي وثورة الأشاوس المسلحة المباركة. ما حدث في السنوات السبع الأخيرة منذ ثورة ديسمبر المجيدة- أفرز سوداناً تأسيسياً جديداً، نشأ من رحم عزيمة الشعب السلمية، ثم من دفاع حتمي عن النفس والوجود، فالسودان لم يعد يقبل أن يُدار من أياً كان من الخارج، ولا يسمح لأحد أن يُحدّد له مساره، ولا أن تُفرض عليه قيود سياسة على مقاس مصالح عملاء مصر التاريخيين غير الوطنيين. البيان المصري الأخير ليس موقفًا بريئًا، بل محاولة واضحة الخبث لإعادة تعريف السودان على مقاييس ومعايير ما يتوافق مع مصالح القاهرة والتي بحساب السيادة والمصالح المتبادلة مُضرة بمصالح السودان العليا بلا شك. بيان القاهرة قد أستخدم لغة خاضعة وماكرة تبدو إنسانية في ظاهرها لكنها في جوهرها ومقصدها الضمني تحمل تهديد سياسي مباشرلارادة الشعب السوداني، وقد حدد هذا البيان (الحشري) بكل لؤم ما يُسمح به وما لم يُسمح به، حيث لوّح بفرض سياسات وقوة على أرض السودان، وكأن سيادة السودان لم تُكتسب بعد، وكأن إرادة أهله لا وزن لها.
هذه العقلية التي تقرأ السودان وتتعامل معه كملف أمني استخباراتي يمكن تدويره أو ضبطه عبر نصائح وتحذيرات وتهديدات، فشلت تاريخيًا قي بناء علاقة ندية بين البلدين، وستفشل في سودان اليوم الذي أخذت لبنات تأسيسه مكانها بين الشعوب السودانية، فالسودان تجاوز مرحلة الوصاية بالفعل، تجاوزها بنضاله السلمي الذي حرّر الإرادة السياسية، ثم بنضاله ومقاومته العسكرية التي فرضت واقع جديد على الأرض، فأصبح الشعب السوداني قوة فاعلة لا يمكن تجاهلها ولا اختزالها في بيانات رسمية صادرة من خارج الحدود. الحديث عن وحدة السودان ورفض الكيانات الموازية ومؤسسات الدولة كما تراها القاهرة، ليس أكثر من محاولة مفضوحة ومنحازة لإعادة إنتاج نفس السياسة النخبوية القديمة، في محاولة يائسة لإعادة رسم الخرائط السياسية والأمنية والمجتمعية وفق مصالح مركزية لا علاقة لها بالشعوب السودانية في الهوامش الأقصى والأدنى ولا بمستقبل الدولة السودانية الجديدة التي يتطلع اليها أهل السودان وفق أسس جديدة تُلبي تطلعاتهم المشروعة في وطن يتساوون فيه. أي محاولة لتطبيق هذه الرؤية المصرية التي عبر عنها هذا البيان المصري- ستفتح كل أبواب الخيارات السياسية والعسكرية والتحالفية بلا سقف، لأن السودان اليوم ليس تابعًا، ولا مستعدًا للرجوع إلى مربع التبعية مهما كانت الكُلفة والتضحيات.
لا يمكن للمراقب إلا أن يرى أن هذه اللغة الاستعلائية التي تُستخدم تحت عباءة الإنسانية والأمن القومي، ما هي إلا انعكاس لعقلية تحاول إدارة السودان من الخارج، بينما الواقع على الأرض يقول إن هذا البلد يمتلك القدرة على إدارة نفسه وتحديد مصيره. الشعب السوداني الذي خرج من الثورة، والذي تحمل دماءه وجروحه وتبعات نزوحه، لم يعد يقبل أن يُحكم عبر وكلاء أو أن يُصادر حقه في القرار، هذا درس قاسٍ، ولكنه حقيقي لمن يراهن على استمرار الوصاية القديمة. كل خطوة مصرية تُترجم مضمون البيان الأخير، سياسيًا أو عبر اصطفافات وتحالفات إقليمية، ستُقابل بوعي كامل، وبخيارات مفتوحة تشمل كل أبعاد القوة والسياسة والتحالفات والفعل العسكري- لأن السودان اليوم يمتلك أدواته ومواقفه التي تتجاوز أي إرادة خارجية، وسيظل الشعب هو الحكم الفعلي في أي مسار يختار.
السودان الجديد التأسيسي لا يبحث عن صدام مع مصر، لكنه لن يعود أبدًا إلى مربع الخضوع أو التبعية أو الاستسلام. العلاقات الممكنة مع مصر نريدها أن تقوم على الندية، وعلى الاحترام والمنافع المتبادلة، وعلى الاعتراف بأن هذا السودان دولة كاملة السيادة، وأن إرادة شعبه ليست قابلة للاستعارة أو للإدارة من الخارج. وكل من يحاول تجاهل هذا التحول، أو يعيد النظر إلى السودان كما كان في زمن الوصاية والنصائح والسيطرة الخارجية، سيكتشف سريعًا أن هذا السودان تغير تماماً، وأن شعبه لن يقبل بأي تسييس لمصيره ويرفض أي وصاية خارجية عليه، وأن أي حسابات خارجية يجب أن يُعيد أصحابها تقييمهم لها وفق واقع جديد، واقع فرضته دماء الشهداء وصبر الجرحى ونضال الشعب.
هذا السودان لم يعد باستطاعة أحد أن يُديره بالبيانات وبالتحذيرات، وبالملفات أخلاقية الانتقائية، حيث أصبح صانع قراره، وحامٍ لمكتسبات نضاله، وراسمًا لمستقبله اذ يُريد، فأي محاولة لإعادة إنتاج نمط الإدارة النخبوية القديمة لن تجد لها مكانًا، وسرعان ما ستقابل بوعي وقرار لا يحتمل المساومة. السودان اليوم دولة شعبها وقواه الحية، وهو وحده من يقرر، وهو وحده من يضع الخطوط، وهو وحده من يملك السيادة، ومن أراد التعامل معه بالوصاية أو بالإملاءات الخارجية فقد أخطأ الحساب وسيواجه بواقع لم يكن في حسبانه.




