
عبدالرحمن أبو رندة … بنسلفانيا
«الانتصار الحقيقي ليس أن تُسقط عدوّاً، بل أن تُقيم عدلاً مكانه.»
«حين تنتهي لغة السلاح، تبدأ لغة التاريخ في كتابة الفجر الجديد.»
خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة، لم يكن مجرد حديث سياسي أو بيان عسكري، بل كان وثيقة تأسيس جديدة لسودان مختلف؛ سودانٍ يتعافى من جراح الحرب ويبدأ مسيرة بناء الدولة العادلة. كان الخطاب أشبه بمرآةٍ تُظهر وعي القائد بحجم التحدي، وإيمانه بأن السلام لا يُصنع بالقوة، بل بالمسؤولية.
في كلماته حول تحرير الفاشر، بدا واضحاً أن هذا الحدث لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل تحولاً استراتيجياً نحو وحدة السودان، إذ أكد أن الفاشر ليست نهاية حرب، بل بداية عهدٍ جديدٍ يقوم على جمع الصف الوطني وإعادة تعريف معنى الوطنية بعيداً عن الشعارات القديمة والانقسامات المصطنعة.
أوضح دقلو أن المدنيين خط أحمر، وأن أي تجاوز في حقهم لن يُقبل تحت أي مبرر، معلناً تشكيل لجنة تحقيق باشرت أعمالها بالفاشر للنظر في أي ادعاءات عن انتهاكات. هذا الإعلان وضع الأساس لمبدأ مهم: أن الحرب مهما كانت مبرراتها، لا تبرر انتهاك الكرامة الإنسانية.
وفي واحدة من أقوى رسائل الخطاب، أعلن القائد أن الجيش الجديد الذي ستقوم عليه الدولة القادمة هو جيش قومي واحد، يخضع للسلطة المدنية، ويحمي حدود الوطن لا كراسي الحكم. وقال بعبارة ستبقى خالدة: “الجيش يحمي الوطن، والدستور يحميه الشعب.” تلك الجملة وحدها تختصر جوهر التحول الديمقراطي الذي يريده دقلو للسودان.
لم يغفل القائد عن البعد الإنساني والأخلاقي في حديثه، فقد شدد على رعاية أسر الشهداء وأبنائهم، وضمان حقهم في التعليم والصحة والعيش الكريم، مؤكداً أن الوفاء لدماء الشهداء هو في بناء وطنٍ يحترم تضحياتهم. كما وجّه قواته بإطلاق سراح أي مدني محتجز بطريقة غير قانونية، في بادرة تعكس حرصه على تطهير الساحة من أي تجاوز.
وفي مشهد يعيد الأمل، دعا دقلو المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية إلى سرعة إغاثة مدينة الفاشر، وأعلن بدء المرحلة الثانية من العمل الوطني: السلام وإعادة الإعمار. وقد أوكل إلى الشرطة الفيدرالية مهمة حفظ الأمن داخل المدينة، بينما بدأت الفرق الهندسية بإزالة الألغام وإصلاح البنى التحتية تمهيداً لعودة الحياة إلى طبيعتها.
لكن ذروة الخطاب كانت رسالته للشعب السوداني:
“لا تيأسوا، السودان سيتعافى، وسنعود وطناً للعدالة والعيش المشترك. نحن دعاة سلام، فرضت علينا الحرب، وسنغسل آثارها بالعمل والإعمار.”
بهذه الكلمات، أغلق القائد صفحة الدم، وفتح صفحة الدولة. من الفاشر، أعلن أن السودان لا يُبنى بالحقد، بل بالأمل، ولا يُدار بالانتقام، بل بالعدل.
إنه خطاب يلخص فلسفة القيادة في لحظات التحول الكبرى: أن القوة بلا قيم خراب، وأن النصر بلا إنسانية هزيمة مؤجلة.
ومن هنا، من الفاشر، يبدأ السودان كتابة تاريخه من جديد.
«السلام ليس هدنة بين حربين، بل ضميرٌ وطني يختار الحياة.»




