
عبدالله محمد ادم ..كمبالا
أمس مرت علينا ذكرى ديسمبر المجيدة.. ذكرى ثورة السودانيين العظيمة التي هزت عروش الطغاة، وأطاحت برأس النظام الغاشم، بصدور عارية وحناجر تزأر بالحق، وبإيمان لا يتزعزع بأن الحرية حق، والسلام خيار، والعدالة هدف لا محيد عنه.لقد كانت لحظة اكتمال حلقة نضال طويل، حلقة تواصلت حلقاتها عبر عقود من البطش و القهر والمسغبة، ضاع فيها جزء عزيز من الوطن ، وانفصل آخر، لكن شعلة الكرامة لم تنطفئ.لقد خرجت جماهير السودان، بنسائه ورجاله، شيوخه وشبانه، كالجسد الواحد، ليعلنوا للعالم أن إرادة الحياة أقوى من كل آلات القتل، وأن كلمة حرية عندما تُنطق من أعماق القلب تكون أقوى من كل الرصاص لقد هزموا دكتاتورية الإمام وبطش العسكر، ليس بالسلاح، بل بقوة الحق، وبنقاء الروح، وبحلم مشترك غرسوه في تراب الوطن.
لكن مسيرة الأمم نحو الحرية ليست خطاً مستقيماً، بل هي منعطفات وتحديات. وكما رأينا في دروس التاريخ، فإن أعتى الثورات واجهت أعنف الهجمات من الخلف. فجاء الانقلاب الغادر، بعودة التنظيم البائد وخدامه في مؤسسات الدولة، ليطعن الحلم في ظهره. لقد حاولوا قتل الأمل، وإعادة عقارب الساعة إلى زمن العتمة، حتى أوصلونا إلى حرب أبريل المجنونة، التي التهمت الأخضر و اليابس، ودمرت البيوت والمؤسسات، وكادت ان تزرع اليأس في النفوس، وتوهم الناس أن لهيب الثورة قد احترق بأصحابه.
لكن من يتأمل مسيرة الشعوب الحرة، من يقرأ تاريخ الثورة الفرنسية التي مرت بسنوات من الرعب والفوضى حتى استقرت، أو غيرها من الثورات الكبرى، يدرك حقيقة ثابتة:ان الولادة الجديدة لا تخلو من المخاض العسير و الطائرة وهي تهم بالهبوط تمر بمنطقة من الاضطراب، تهتز و تترنح، فتذكر الركاب بربط أحزمتهم، حتى تصل بهم بسلام إلى بر الأمان.
ان ما نمر به اليوم – أيها السودانيون الأحرار – هو تلك الاضطرابات قبل الهبوط النهائي، فالثورة قد أكملت دوراتها الأساسية و كسرت حاجز الخوف، و وضعت مبادئها العظيمة (حرية، سلام، عدالة) نصب عيون الجميع، وكشفت وجوه الظلام واحداً تلو الآخر، و وحدت الشعب في هوية نضالية لا تمحى. لقد نجحت في أصعب المهام: إنهاء نظام الباطل. والآن تواجه آخر وأشرس تحدياتها و محاولات إفساد مسارها وإعادة إنتاج الاستبداد بثوب جديد.لذلك، علينا أن نربط أحزمتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، علينا أن نتذكر أن كل دم زكي سال، و كل دمعة ذرفت، وكل بيت دمر، هو وقود لهذه الرحلة نحو النصر، النصر الذي لا يعني مجرد سقوط نظام، بل يعني بناء وطن، وطن الرخاء الذي حلمنا به، ووطن السلام الذي نشتاق إليه، و وطن العدالة الذي ضحينا من أجله.
لن ننسى أوجاع السفر، لكنها ستصبح ذكريات تذكرنا بقيمة ما بنيناه، فديسمبر ليست ذكرى نسترجعها بحزن، بل هي بطاقة عبور نستمد منها القوة للمستقبل. شعلتها لا تزال متقدة في صدور الأحرار. والظلام – مهما طال الليل – لا يقوى على نور شمس تشرق من إرادة شعب مؤمن بعدالة قضيته.
فالسلام عليكم أيها الثوار، والمجد لشهداء الحرية، والنصر حليف السودان الجديد.. السودان الذي نستحقه.




