رأي

التدخل المصري في السودان: من ميراث الحكم الثنائي إلى هواجس الدولة الناجحة في جنوب الوادي

د.نصرالدين احمد إدريس الدومة

 

د.نصرالدين احمد إدريس الدومة

لم تكن علاقة مصر بـالسودان علاقة جوار طبيعي بقدر ما كانت، عبر التاريخ الحديث، علاقة مشحونة بإرث سياسي–أمني تشكّل منذ الحقبة الاستعمارية واستمر بأشكال مختلفة حتى اللحظة الراهنة. فالموقف المصري من التحولات السياسية والثورات السودانية ظل، في كثير من المحطات، محكوماً بهاجس استراتيجي عميق: عدم السماح بقيام دولة سودانية مستقلة، ديمقراطية، وقادرة على لعب دور إقليمي فاعل في جنوب الوادي.

أولاً: الجذور التاريخية – الحكم الثنائي وبناء الوصاية

ارتبط السودان في الوعي السياسي المصري الحديث بإرث ما عُرف بـالحكم الثنائي الإنجليزي المصري، وهو حكم لم يكن ثنائياً في مضمونه الفعلي بقدر ما كان بريطانياً في القرار، ومصرياً في الادعاء السيادي.

خلال تلك الفترة، تشكّلت نظرة مصرية للسودان باعتباره امتداداً جيوسياسياً وأمنياً، لا دولة ذات سيادة كاملة. هذه النظرة أنتجت لاحقاً حساسية مزمنة تجاه أي مشروع وطني سوداني مستقل، خاصة إذا حمل سمات الحداثة السياسية أو الديمقراطية.

ثانياً: مصر والثورات السودانية – القلق من التحول الديمقراطي

منذ الاستقلال، تعاطت مصر بحذر – وأحياناً بعداء مكتوم – مع الثورات والانتفاضات السودانية، بدءاً من ثورة أكتوبر 1964، مروراً بانتفاضة أبريل 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018.

في كل هذه المحطات، برز نمط متكرر:

تحفّظ مصري على التحولات الشعبية.

ميل لدعم الأنظمة العسكرية أو السلطوية بوصفها أكثر قابلية للضبط والتفاهم.

تخوّف من أن يشكّل السودان الديمقراطي نموذجاً ملهماً داخلياً وإقليمياً.

هذا الموقف لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي في مصر، الذي يرى في الديمقراطية المجاورة تهديداً غير مباشر لتوازناته الداخلية.

ثالثاً: هاجس “الدولة الناجحة” في جنوب الوادي

في العقل الاستراتيجي المصري، تمثل فكرة قيام دولة سودانية مستقرة، ذات اقتصاد منتج وسيادة قرار، معضلة مزدوجة:

1. سياسياً: لأنها تكسر منطق الوصاية التاريخية.

2. اقتصادياً وجيوسياسياً: لأنها تعيد تعريف العلاقة بين البلدين على أساس الندية، لا التبعية.

من هنا يمكن فهم الفتور – بل أحياناً العرقلة غير المعلنة – لأي مسار سوداني يستهدف بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة القرار.

رابعاً: حرب 15 أبريل – من الحياد المعلن إلى الانخراط غير المباشر

مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، أعلنت مصر موقفاً رسمياً يدعو إلى التهدئة والحل السياسي، غير أن روايات ميدانية وتحليلات سياسية متقاطعة أشارت إلى:

انحياز عملي إلى طرف المؤسسة العسكرية.

اتهامات متداولة بمشاركة الطيران المصري في عمليات عسكرية، خاصة في محيط الخرطوم.

ووفق هذه الروايات، فقد ساهمت الغارات الجوية في تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك مصانع ومنشآت إنتاجية، وهو ما مثّل ضربة مباشرة للاقتصاد السوداني، وأعاد البلاد سنوات إلى الوراء. ورغم غياب تحقيق دولي مستقل يحسم هذه الادعاءات، إلا أن انتشارها الواسع يعكس أزمة ثقة عميقة في الدور المصري.

خامساً: الموقف المصري من “الرباعية” – دبلوماسية الإبطاء

لم تُبدِ مصر حماساً يُذكر تجاه آليات الحل الدولي، بما فيها الرباعية الدولية المعنية بالسودان (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر).

ويُفسَّر هذا الفتور على أنه:

رفض ضمني لأي تسوية تقلّص نفوذ القاهرة، خشية من مسار سياسي مدني يُخرج السودان من دائرة التأثير الأمني التقليدي.

خاتمة: أزمة علاقة أم أزمة تصور؟

إن جوهر الإشكال في العلاقة بين مصر والسودان لا يكمن في خلافات آنية، بل في تصوّر تاريخي متجذّر لدى الدولة المصرية عن السودان:

هل هو دولة مستقلة كاملة السيادة؟

أم مجال نفوذ يجب ضبطه ومنع خروجه عن المسار المرسوم؟

ما لم تُحسم هذه المعضلة، وتُعاد صياغة العلاقة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ستظل مصر – في نظر قطاعات واسعة من السودانيين – جزءاً من المشكلة لا من الحل، مهما تغيّرت الخطابات وتبدّلت الواجهات الدبلوماسية.

د.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!