رأي

نحو تأسيس دولة العدالة الاجتماعية في السودان

نجم الدين دريسة

إن بناء دولة تقوم على العدالة الاجتماعية، وتصون حقوق جميع مواطنيها بمختلف خلفياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والجهوية والإثنية والثقافية والطائفية، يُعد تحديًا بالغ التعقيد. فالسودان، الذي عانى لعقود طويلة من النزاعات والحروب والانقسامات، يواجه اليوم إرثًا مثقلًا بالتمييز وخطاب الكراهية وانعدام الثقة بين مكوناته. وهذا الواقع يحتم ضرورة صياغة نظام سياسي مرن، قادر على إدارة التنوع والتعدد، وعلى استيعاب الخلافات وصهرها في مشروع وطني جامع. ومن شأن نجاح تحالف التأسيس في تجاوز هذه العقبات أن يفتح الباب واسعًا أمام خروج السودان من أزماته التاريخية المتوارثة التي طالما ارتبطت بالظلم والتهميش والإقصاء.

لقد سعى تحالف السودان التأسيسي إلى وضع أطر نظرية ومفاهيمية جديدة تستجيب لجذور الأزمة الوطنية، بدلًا من معالجات سطحية ظلت تراكم الأزمات وتعيد إنتاجها. فطرح قضايا التحول الديمقراطي في مواجهة النزعة الاستبدادية، والدعوة إلى بناء السلام على أنقاض الحروب، واعتماد النظام الفيدرالي في مواجهة المركزية القابضة، كلها خطوات عميقة لإعادة صياغة الدولة السودانية. كما أكد التحالف على علمانية الدولة باعتبارها الضمانة الوحيدة لتجاوز تجربة الدولة الثيوقراطية التي أقامتها جماعات الهوس الديني، تلك التجربة التي أدخلت البلاد في نفق مظلم، وحشرتها في “حجر ضب خرب”، على حد وصف الذاكرة الشعبية.

ولم يغفل التأسيس قضية الاستقلال الوطني، الذي ظل عرضة للانتقاص بفعل التدخلات الخارجية، لا سيما التدخل المصري السافر في الشأن السوداني، والذي أطاح بأشواق الشعب في بناء دولة حرة مستقلة. فالسودان، رغم ما يمتلكه من موارد طبيعية هائلة، ما زال أسيرًا لمعادلة مأساوية تجمع بين “لعنة الموارد” و”لعنة النخب”، فضلًا عن التبعية لسياسات الجوار. وهكذا ظل عاجزًا عن تحويل ثرواته إلى تنمية حقيقية تُعالج أزماته البنيوية مثل الفقر والبطالة والتهميش.

ومع ذلك، فإن طريق التأسيس ليس مفروشًا بالورود، إذ تبرز أمامه تحديات سياسية واجتماعية جسيمة، من أبرزها إدارة التعددية الهوياتية، وخلق صيغة جامعة تحقق التوازن بين مختلف المكونات. ويتطلب ذلك تعزيز المشاركة المتساوية وتكافؤ الفرص وبناء هوية وطنية شاملة تُجسد التنوع ولا تلغيه. كما يواجه التأسيس استحقاقات عسيرة في ملف التحول المدني، ومعالجة آثار النزاعات المسلحة التي أدت إلى عسكرة المجتمعات. ولن يتحقق الاستقرار دون بناء جيش وطني مهني خاضع لسلطة الشعب، لا سيفًا مسلطًا على رقابه، ودون تحقيق عدالة انتقالية تنصف المتضررين من الحروب، وتعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم في أمن وكرامة.

أما على المستوى الخارجي، فإن الموقع الجيوسياسي للسودان وثرواته يجعلان منه ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الأجندات وتتصارع المصالح. وهذا يفرض تحديًا إضافيًا يتمثل في الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وعدم السماح بجر السودان إلى محاور إقليمية أو صراعات بالوكالة. وهنا تبرز الحاجة إلى التوافق الوطني على إعلاء المصلحة العليا، باعتبارها الضمانة الوحيدة لبناء دولة مستقلة وفاعلة، قادرة على تلبية تطلعات شعبها.

إن مشروع التأسيس، رغم صعوبته وكثرة العوائق أمامه، يبقى فرصة تاريخية لا ينبغي إهدارها. فهو السبيل الوحيد للخروج من دائرة الأزمات المتكررة، ووضع السودان على طريق الدولة الحديثة التي تتسع لجميع أبنائها، وتحفظ كرامتهم، وتفتح أمامهم آفاق التنمية والحرية والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!