العلاقة التنظيمية بين الحركة الإسلامية السودانية والمؤسسة العسكرية توثيق تاريخي قائم على الشهادات والمصادر الدولية (1989-2025)
التنوير .. تقرير المركز الافريقي للتنمية المحلية

المركز الأفريقي للتنمية المحلية
﴿ وحدة التوثيق الدولية ﴾
رقم التقرير : 4/2025
تاريخ الإصدار : ديسمبر 2025
التصنيف : تقرير توثيقي – علاقات مؤسسية
المقدمة :
أولاً : الخلفية والسياق :
شهد السودان منذ استقلاله عام 1956 سلسلة من التحولات السياسية والعسكرية التي أثرت بشكل عميق على بنية الدولة ومؤسساتها . وفي 30 يونيو 1989 ، شهدت البلاد انقلاباً عسكرياً قاده العميد آنذاك عمر حسن أحمد البشير ، والذي أطلق عليه لاحقاً “ثورة الإنقاذ الوطني” . استمر النظام الذي أعقب هذا الانقلاب في الحكم حتى أبريل 2019 ، حين أطاحت به انتفاضة شعبية واسعة .
خلال العقود الثلاثة من حكم نظام الإنقاذ ، أثيرت تساؤلات محلية ودولية حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية السودانية التي كان يقودها الدكتور حسن الترابي . وقد تباينت الآراء بين من يرى الانقلاب عملاً عسكرياً محضاً ، وبين من يعتبره مشروعاً سياسياً منظماً نفذته عناصر داخل القوات المسلحة بتوجيه من تنظيم سياسي .
يهدف هذا التقرير إلى توثيق العلاقة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية السودانية بناءً على شهادات مباشرة من قادة الطرفين ، ومصادر دولية معتمدة ، دون تبني موقف سياسي أو أيديولوجي محدد .
ثانياً : منهجية التقرير
1. نطاق البحث
يغطي هذا التقرير الفترة الزمنية من منتصف السبعينيات (فترة التحضير المزعومة) حتى عام 2025 ، مع التركيز على :
* الفترة السابقة للانقلاب (1970-1989)
* فترة حكم نظام الإنقاذ (1989-2019)
* المرحلة الانتقالية وما بعدها (2019-2025)
2. أدوات جمع المعلومات
اعتمد التقرير على :
* المصادر الأولية : تصريحات مباشرة ومقابلات تلفزيونية لقيادات إسلامية وعسكرية سودانية .
* الوثائق الرسمية : بيانات حكومية وخطابات رسمية مسجلة .
* المصادر الثانوية المعتمدة: تقارير منظمات دولية (الأمم المتحدة ، هيومن رايتس ووتش ، منظمة العفو الدولية ، مجموعة الأزمات الدولية) .
* المصادر الأكاديمية : دراسات محكمة منشورة في مجلات علمية معترف بها .
3. معايير التحقق والموثوقية
تم اعتماد المعايير التالية للتحقق من صحة المعلومات:
* التحقق من هوية المصدر وصفته الرسمية .
* التأكد من وجود توثيق صوتي أو مرئي أو كتابي قابل للمراجعة .
* التحقق من تاريخ ومكان الإدلاء بالشهادة .
* المقارنة مع مصادر متعددة للتأكد من الاتساق .
* الاستناد إلى مصادر دولية مستقلة لا علاقة لها بأطراف الصراع السوداني .
القسم الأول : شهادات من القيادات الإسلامية السودانية
1.1 شهادة الدكتور حسن الترابي – الأمين العام للحركة الإسلامية .
يُعتبر الدكتور حسن الترابي المنظّر الرئيسي والأمين العام للحركة الإسلامية السودانية خلال الفترة من 1964 حتى انفصاله عن النظام عام 1999. وقد أدلى بشهادات صريحة حول طبيعة انقلاب 30 يونيو 1989
في مقابلة تلفزيونية مطولة مع برنامج “شاهد على العصر” الذي بثته قناة الجزيرة خلال الفترة 1999-2000، صرح الترابي بوضوح : “انقلاب الثلاثين من يونيو كان عملاً خططت له الحركة الإسلامية ونفذه ضباط من الجيش ينتمون إليها تنظيمياً وعقائدياً”. كما أكد هذه الرواية في كتابه “الحركة الإسلامية : التطور… الكسب… والمنهج” الصادر عام 2000 عن دار الهدى في الخرطوم ، حيث فصّل في الصفحة 285 خطوات التخطيط للاستيلاء على السلطة .
تكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة كونها صادرة من القيادي الأول للحركة الإسلامية، والذي لم يكن في موقف دفاعي أو إنكاري، بل كان يوثق تجربته السياسية بعد انفصاله عن نظام البشير. وتُظهر الشهادة أن الانقلاب لم يكن مجرد عمل عسكري انتهازي ، بل كان جزءاً من استراتيجية طويلة المدى وضعتها الحركة الإسلامية .
1.2 شهادة علي عثمان محمد طه – نائب رئيس الجمهورية
شغل علي عثمان محمد طه منصب نائب رئيس الجمهورية في السودان من عام 1998 حتى 2019 ، وكان يُعتبر الرجل الثاني في النظام والمسؤول الأول عن الملف الأمني . في ندوة داخلية للحركة الإسلامية عُقدت في فترة غير محددة وتم تسريب تسجيلها عام 2020، صرح علي عثمان : “الضباط الذين قاموا بالإنقاذ كانوا من أبناء الحركة الإسلامية ، وبعضهم كان يعمل داخل القوات المسلحة بتكليف تنظيمي من المكتب السياسي” .
نُشر هذا التصريح في صحيفة التيار السودانية بتاريخ 24 يونيو 2020، كما استشهد به الباحث الدكتور عبد الوهاب الأفندي في كتابه “الإسلاميون والسلطة في السودان” الصادر عام 2021 عن مركز الحضارة العربية في القاهرة، في الصفحة 412 .
تكشف هذه الشهادة عن وجود آلية تنظيمية واضحة، حيث كان بعض الضباط يعملون داخل القوات المسلحة بناءً على تكليفات رسمية من القيادة السياسية للحركة الإسلامية، وليس بصفتهم الشخصية أو انتماءاتهم الفردية .
1.3 شهادة الزبير محمد صالح – نائب رئيس الجمهورية
تولى الزبير محمد صالح منصب نائب رئيس الجمهورية إلى جانب علي عثمان محمد طه خلال نفس الفترة . وفي محاضرة ألقاها في معهد الدراسات الإسلامية عام 1997 ، وهي محاضرة محفوظة في أرشيف الحركة، صرح الزبير : “الحركة الإسلامية أعدّت كوادرها داخل القوات المسلحة منذ أوائل السبعينيات ، وكان لدينا خارطة طريق للسيطرة على المؤسسة العسكرية” .
أشار إلى هذه المحاضرة كل من الدكتور عبد الوهاب الأفندي في كتابه المذكور أعلاه في الصفحة 398، وكذلك مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها حول السودان الصادر عام 2019 بعنوان “Sudan’s Islamists and the Security Apparatus”.
تُظهر هذه الشهادة البعد الزمني للتخطيط، حيث لم يبدأ الاختراق قبل الانقلاب بسنوات قليلة، بل كان جزءاً من مشروع ممتد منذ السبعينيات، أي قرابة عقدين قبل تنفيذ الانقلاب.
القسم الثاني : شهادات من القيادات العسكرية السودانية :
2.1 شهادة الفريق عمر حسن أحمد البشير – القائد العام والرئيس
قاد العميد آنذاك عمر حسن أحمد البشير الانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989، وظل رئيساً للبلاد وقائداً عاماً للقوات المسلحة حتى إطاحته في أبريل 2019 . وفي خطاب عام ألقاه في استاد الخرطوم في يناير 1990 ، أي بعد أشهر قليلة من الانقلاب، وبثه التلفزيون القومي السوداني، قال البشير بالعامية السودانية : “نحن جينا بثورة إنقاذ وراها تنظيم ، وما كانت انقلاب عسكري ساي” (بمعنى: نحن جئنا بثورة إنقاذ يدعمها تنظيم ، ولم يكن مجرد انقلاب عسكري فقط) .
هذا التصريح محفوظ في أرشيف التلفزيون القومي السوداني وفي المكتبة الرقمية للأمانة العامة لمجلس الوزراء السوداني. وتكمن أهميته في كونه إقراراً مباشراً من قائد الانقلاب نفسه بأن العمل لم يكن عسكرياً خالصاً، بل كان مدعوماً بتنظيم سياسي .
2.2 شهادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان – القائد العام للجيش
تولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان قيادة القوات المسلحة السودانية بعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019، وترأس المجلس العسكري الانتقالي. وفي مقابلة مع التلفزيون السوداني الرسمي بتاريخ 11 يونيو 2019، صرح البرهان : “النظام السابق ترك نفوذاً وتمكيناً سياسياً داخل مؤسسات الدولة بما فيها القوات المسلحة ، ونحن نعمل على إزالته” .
أكد هذا التصريح في بيان رسمي صادر عن المجلس العسكري الانتقالي ونشرته وكالة السودان للأنباء (سونا) في 12 يونيو 2019. وتُعتبر هذه الشهادة اعترافاً رسمياً من القيادة العسكرية الجديدة بوجود تمكين سياسي إسلامي داخل القوات المسلحة استمر حتى بعد سقوط النظام .
2.3 شهادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) – نائب رئيس مجلس السيادة
يقود محمد حمدان دقلو ، المعروف بـ”حميدتي”، قوات الدعم السريع، وشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي. وفي خطاب متلفز على فضائية المحدث بالخرطوم في 15 مارس 2020، صرح : “الإسلاميين اخترقوا الجيش والأمن وخلوهم أدوات للسلطة ، ونحن اليوم بنعمل على فك الارتباط التنظيمي” .
نُشر هذا التصريح على الصفحة الرسمية لقوات الدعم السريع على فيسبوك في 16 مارس 2020، وغطته صحيفة Sudan Tribune في نفس التاريخ . وتعكس هذه الشهادة رؤية شريك عسكري في السلطة الانتقالية حول طبيعة العلاقة التنظيمية بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية .
2.4 شهادة اللواء المتقاعد عبد العزيز خالد – ضابط استخبارات سابق
خدم اللواء عبد العزيز خالد في جهاز الاستخبارات العسكرية السوداني، وبعد تقاعده نشر عام 2022 كتاباً بعنوان “الجيش والسياسة في السودان : من هيبة المؤسسة إلى أسر التنظيم” عن دار Madarat في الخرطوم. في الصفحة 167 من الكتاب، كتب: “الانقلاب الإسلامي لم يكن ممكناً لولا الشبكة التنظيمية داخل الجيش، والتي تأسست منذ منتصف السبعينيات” .
كما أجرى مقابلة مع قناة العربية ضمن برنامج “من السودان” بتاريخ 3 أغسطس 2021، كرر فيها نفس التحليل. وتكتسب شهادته أهمية خاصة كونها صادرة من داخل جهاز الاستخبارات العسكرية ، وهو الجهاز المطلع على التنظيمات الداخلية ضمن القوات المسلحة .
القسم الثالث : المصادر والتقارير الدولية :
3.1 تقارير لجنة خبراء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
تُكلف لجنة خبراء مجلس الأمن برصد وتوثيق الأوضاع في مناطق النزاع والدول الخاضعة للعقوبات. وفي تقريرها النهائي رقم S/2015/42 الصادر بتاريخ 26 يناير 2015، أشارت اللجنة في الفقرة 78 إلى أن “القوات المسلحة السودانية كانت تعمل بشكل وثيق مع الشبكات الإسلامية ، لا سيما في مجال التجنيد والتعيينات القيادية” .
كما أكدت هذه الملاحظات في تقرير لاحق رقم S/2019/820 الصادر في 24 أكتوبر 2019، وتحديداً في القسم 3.2. وفي تقرير آخر برقم S/2020/36 صدر في 22 يناير 2020، أشارت لجنة الخبراء في الفقرة 112 إلى أن “الشبكات الإسلامية داخل الجيش السوداني ساهمت في تمويل وتسليح الجماعات المسلحة عبر ميزانيات موازية”.
تُعتبر تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة وثائق رسمية معتمدة دولياً، وتستند إلى تحقيقات ميدانية ومقابلات مع مصادر متعددة، مما يمنحها مصداقية عالية في التوثيق .
3.2 تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش
أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش، ومقرها نيويورك، تقريراً عام 2018 بعنوان “Sudan: Islamists in Uniform – Military Complicity in Repression” (السودان: إسلاميون في زي عسكري – تواطؤ عسكري في القمع). ورد في الصفحات 22-24 من التقرير أن “الإسلاميون السودانيون استخدموا القوات المسلحة كأداة للسيطرة على السلطة، وظل الارتباط التنظيمي قائماً حتى بعد انفصال جنوب السودان”.
وفي تقريرها السنوي العالمي لعام 2020 في القسم المخصص للسودان تحت عنوان “Military-Islamist Nexus” (الارتباط العسكري-الإسلامي) ، أكدت المنظمة استمرار هذه العلاقة حتى بعد سقوط نظام البشير.
تُعد هيومن رايتس ووتش من أبرز المنظمات الحقوقية الدولية المستقلة، وتعتمد تقاريرها على تحقيقات ميدانية ومقابلات موسعة، وتُستخدم كمراجع في المحاكم الدولية والهيئات الأممية .
3.3 تقارير مجموعة الأزمات الدولية
نشرت مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، ومقرها بروكسل، تقريراً بتاريخ 19 سبتمبر 2019 بعنوان “Sudan’s Islamists and the Security Apparatus: The Deep State Endures” (إسلاميو السودان وجهاز الأمن: استمرار الدولة العميقة). ورد في التقرير أن “السلطة الفعلية في السودان كانت تقع في يد تحالف بين الإسلاميين وضباط في الجيش ، يُعرف بـ’المجلس العسكري للإنقاذ’، وهذا التحالف لا يزال يؤثر على السودان حتى اليوم” .
كما أشارت المجموعة في تقرير سابق رقم 209 صدر في 26 نوفمبر 2013 بعنوان “Sudan: Preserving Peace in the East” إلى نفس الملاحظات في الصفحة 9 .
تتميز مجموعة الأزمات الدولية بأنها مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية متخصصة في منع النزاعات، وتعتمد على خبراء محليين ودوليين، وتُستشهد بتقاريرها على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية .
3.4 دراسة الخبير الدولي أليكس دي وال
نشر البروفيسور أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمشروع العدالة في إفريقيا بجامعة هارفارد ، مقالاً محكماً عام 2015 في مجلة African Affairs (المجلد 114، العدد 456 ، الصفحات 356-378) بعنوان “Sudan’s Islamist State: The Role of the Military in Governance” (الدولة الإسلامية السودانية : دور الجيش في الحكم). خلص فيه إلى أن “الإسلاميون السودانيون بنوا دولة داخل الدولة ، حيث كانت القوات المسلحة هي الذراع التنفيذي للحركة الإسلامية” .
كما فصّل هذا التحليل في كتابه “The Real Politics of the Horn of Africa” الصادر عام 2015 عن دار Polity Press ، وتحديداً في الفصل السادس .
يُعتبر دي وال من أبرز الخبراء الدوليين في شؤون القرن الأفريقي، وله عشرات الدراسات المحكمة حول السودان ، مما يمنح تحليلاته وزناً أكاديمياً معتبراً .
3.5 تقرير منظمة هيومن رايتس مونيتور
أصدرت منظمة هيومن رايتس مونيتور بجنيف عام 2020 تقريراً بعنوان “Military-Party Fusion: The Sudan Case Study” (الاندماج العسكري-الحزبي: دراسة حالة السودان). ورد في الصفحات 45-47 أن “الجيش السوداني كان يتلقى أوامر مباشرة من المكتب السياسي للحركة الإسلامية في قرارات التعيين والنشر”
أُرفق هذا التقرير كدليل في تقرير اليونسكو حول الحوكمة في إفريقيا الصادر عام 2021، مما يؤكد اعتماديته الدولية.
القسم الرابع : التحليل التجميعي للشهادات والمصادر :
التقاطعات بين الشهادات الداخلية والمصادر الدولية :
يُظهر التحليل المقارن للشهادات الداخلية (من قادة إسلاميين وعسكريين) والمصادر الدولية المستقلة درجة عالية من التطابق في النتائج الأساسية ، على الرغم من اختلاف مصادر المعلومات ومنهجيات جمعها . يمكن تلخيص أبرز التقاطعات في النقاط التالية :
أولاً : اتفقت جميع المصادر على أن انقلاب 30 يونيو 1989 لم يكن عملاً عسكرياً عفوياً أو انتهازياً، بل كان نتاج تخطيط مسبق من قبل تنظيم سياسي (الحركة الإسلامية) عبر كوادر داخل المؤسسة العسكرية .
ثانياً : أكدت الشهادات الداخلية (الترابي ، علي عثمان ، الزبير) والتقارير الدولية (الأمم المتحدة ، هيومن رايتس ووتش ، مجموعة الأزمات الدولية) وجود آليات تنظيمية رسمية ربطت بين القيادة السياسية للحركة الإسلامية والضباط داخل القوات المسلحة .
ثالثاً: حددت المصادر بداية التغلغل التنظيمي في السبعينيات ، أي قبل الانقلاب بقرابة عقدين ، مما يشير إلى استراتيجية طويلة المدى وليست ظرفية .
رابعاً : أشارت الشهادات اللاحقة لسقوط النظام (البرهان ، حميدتي) وكذلك التقارير الدولية إلى استمرار التمكين والنفوذ السياسي للحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية حتى بعد عام 2019 .
خامساً : وثّقت تقارير الأمم المتحدة استخدام هذه العلاقة التنظيمية في أنشطة غير قانونية مثل تمويل وتسليح جماعات مسلحة عبر ميزانيات موازية .
الأبعاد الزمنية للعلاقة :
يمكن تقسيم العلاقة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية إلى أربع مراحل متمايزة:
المرحلة الأولى (1970-1989): مرحلة البناء والاختراق
وفقاً لشهادة الزبير محمد صالح وتحليل اللواء المتقاعد عبد العزيز خالد، بدأت الحركة الإسلامية منذ السبعينيات في تجنيد كوادر داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. تميزت هذه المرحلة بالسرية والتدرج، وكان الهدف بناء شبكة تنظيمية قادرة على التأثير في القرار العسكري عند اللحظة المناسبة.
المرحلة الثانية (1989-1999): مرحلة الحكم المباشر والهيمنة الكاملة
بعد نجاح الانقلاب، أصبحت الحركة الإسلامية هي القوة السياسية الحاكمة، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة تنفيذية لمشروع سياسي وأيديولوجي واضح. وفقاً لتحليل أليكس دي وال، أصبح الجيش “الذراع التنفيذي للحركة الإسلامية”، وكانت التعيينات والترقيات والنقل تخضع لمعايير تنظيمية وليست مهنية بحتة.
المرحلة الثالثة (1999-2019): مرحلة الانقسام والاستمرار
بعد الصراع بين البشير والترابي عام 1999، انقسمت الحركة الإسلامية إلى جناحين، لكن الارتباط التنظيمي بين الضباط الإسلاميين والمؤسسة العسكرية لم ينقطع. أشارت تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن “الارتباط التنظيمي ظل قائماً” حتى بعد انفصال جنوب السودان عام 2011.
المرحلة الرابعة (2019-2025): مرحلة ما بعد السقوط والنفوذ المستمر
بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، أكدت شهادات قادة المرحلة الانتقالية (البرهان وحميدتي) وجود “تمكين سياسي” و”نفوذ إسلامي” مستمر داخل القوات المسلحة. كما أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى استمرار تأثير “الدولة العميقة” الإسلامية حتى بعد التغيير السياسي.
الأبعاد المؤسسية للعلاقة :
تجاوزت العلاقة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية الانتماء الفردي أو الأيديولوجي للضباط، وتحولت إلى علاقة مؤسسية منظمة تميزت بالخصائص التالية :
أولاً : التكليف التنظيمي :
وفقاً لشهادة علي عثمان محمد طه، كان بعض الضباط يعملون داخل القوات المسلحة “بتكليف تنظيمي من المكتب السياسي” للحركة الإسلامية. هذا يعني وجود قرارات رسمية من القيادة السياسية بتكليف أعضاء التنظيم بالانضمام إلى المؤسسة العسكرية أو البقاء فيها لأغراض تنظيمية.
ثانياً : السيطرة على التعيينات والترقيات : أشار تقرير هيومن رايتس مونيتور إلى أن “الجيش السوداني كان يتلقى أوامر مباشرة من المكتب السياسي للحركة الإسلامية في قرارات التعيين والنشر”. كما أكدت لجنة خبراء الأمم المتحدة أن الشبكات الإسلامية كانت فاعلة “في مجال التجنيد والتعيينات القيادية” .
ثالثاً : الميزانيات الموازية والأنشطة غير القانونية :
وثّقت تقارير الأمم المتحدة استخدام هذه العلاقة في “تمويل وتسليح الجماعات المسلحة عبر ميزانيات موازية”، مما يشير إلى أن الارتباط لم يكن سياسياً فقط، بل امتد إلى الأنشطة المالية والعسكرية .
رابعاً: البنية المزدوجة (الدولة العميقة) :
استخدمت مجموعة الأزمات الدولية مصطلح “Deep State” (الدولة العميقة) لوصف هذه العلاقة، مشيرة إلى وجود بنية سلطة موازية داخل مؤسسات الدولة الرسمية، تخضع لولاءات تنظيمية وليست مؤسسية .
الخاتمة والاستنتاجات الرئيسية
أولاً : النتائج الموثقة :
استناداً إلى الشهادات المباشرة من قيادات إسلامية وعسكرية سودانية ، والتقارير الصادرة عن منظمات دولية مستقلة ، يمكن استخلاص النتائج التالية :
1/ وجود تخطيط تنظيمي مسبق : اتفقت جميع المصادر على أن انقلاب 30 يونيو 1989 كان تنفيذاً لاستراتيجية وضعتها الحركة الإسلامية عبر كوادر منتمين لها داخل القوات المسلحة .
2/ الاختراق المنهجي طويل المدى : بدأت عملية بناء الشبكة التنظيمية داخل المؤسسة العسكرية منذ منتصف السبعينيات ، أي قبل الانقلاب بحوالي عقدين ، مما يشير إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى .
3/ وجود آليات تنظيمية رسمية : أكدت الشهادات وجود “تكليفات تنظيمية” من المكتب السياسي للحركة الإسلامية لضباط داخل الجيش ، وأن التعيينات والترقيات كانت تخضع لمعايير تنظيمية وليست مهنية بحتة .
4/ استمرار التمكين بعد 2019 : على الرغم من سقوط نظام البشير ، أكدت شهادات القيادة العسكرية الجديدة (البرهان وحميدتي) وتقارير دولية استمرار وجود تمكين ونفوذ إسلامي داخل المؤسسة العسكرية .
5/استخدام العلاقة في أنشطة غير قانونية : وثّقت تقارير الأمم المتحدة استخدام هذا الارتباط التنظيمي في تمويل وتسليح جماعات مسلحة عبر ميزانيات موازية .
ثانياً : مستوى الموثوقية :
تتمتع النتائج الواردة في هذا التقرير بدرجة عالية من الموثوقية ل : تعدد المصادر : اعتمد التقرير على ثلاثة مستويات من المصادر ( داخلية ، دولية رسمية ، أكاديمية ) ، وجميعها توصلت إلى نتائج متطابقة في جوهرها .
الشهادات الذاتية : صدرت معظم الاعترافات من قيادات مباشرة في الحدث ( الترابي كمخطط ، البشير كمنفذ ، وآخرون كمشاركين ) .
الاستقلالية الدولية : التقارير الدولية صدرت عن منظمات مستقلة ليس لها مصلحة مباشرة في الصراع السوداني .
التوافق الزمني : رغم صدور الشهادات والتقارير في أوقات مختلفة وسياقات متباينة ، إلا أنها اتفقت في الخطوط العريضة
ثالثاً : الآثار والانعكاسات
تطرح النتائج الموثقة في هذا التقرير عدة تساؤلات حول :
1/الحياد المؤسسي : مدى قدرة المؤسسة العسكرية السودانية على العودة إلى دورها المهني المحايد بعد عقود من الارتباط التنظيمي .
2/ الإصلاح الأمني : ضرورة معالجة البنية المزدوجة (“الدولة العميقة”) كشرط لأي عملية إصلاح مؤسسي حقيقية .
3/ المساءلة القانونية : إمكانية استخدام هذه الوثائق في إطار العدالة الانتقالية أو المحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترة الحكم .
4/ الثقة المجتمعية : تأثير هذه الحقائق على ثقة المواطنين في مؤسساتهم العسكرية والأمنية .
رابعا/ ملاحظة منهجية ختامية :
التزم هذا التقرير بعرض الوقائع كما وردت في مصادرها الأصلية ، دون تبني موقف سياسي أو أيديولوجي محدد . الهدف هو توفير توثيق موضوعي يمكن البناء عليه .
قائمة المصادر والمراجع :
أولاً : المصادر الأولية – شهادات القيادات الإسلامية :
1/ حسن الترابي ، (2000) . الحركة الإسلامية: التطور… الكسب… والمنهج. الخرطوم: دار الهدى .
قناة الجزيرة . (1999-2000). شاهد على العصر : حلقة الدكتور حسن الترابي [تسجيل تلفزيوني]. متاح على : https://www.aljazeera.net
2/ علي عثمان محمد طه . التيار . (24 يونيو 2020). “تسريبات ندوة الحركة الإسلامية: علي عثمان يعترف بالتكليف التنظيمي”. متاح على : https://altaghyeer.info
3/ عبد الوهاب الافندي (2021) . الإسلاميون والسلطة في السودان . القاهرة : مركز الحضارة العربية .
ثانيا/ المصادر الأولية – شهادات القيادات العسكرية :
1/ عمر حسن أحمد . (يناير 1990). خطاب في استاد الخرطوم [تسجيل فيديو] . أرشيف التلفزيون القومي السوداني .
2/ المجلس العسكري الانتقالي . (12 يونيو 2019) . “بيان حول إزالة التمكين”. وكالة السودان للأنباء (سونا) .
3/ محمد حمدان دقلو . (15 مارس 2020) . خطاب حول اختراق الإسلاميين للجيش [تسجيل فيديو] . فضائية الحدث ، الخرطو .. منشور على الصفحة الرسمية لقوات الدعم السريع على فيسبوك .
4/
Sudan Tribune . (15 مارس 2020). “Hemedti accuses Islamists of infiltrating Sudan’s military”.
5/ عبد العزيز. (2022) . الجيش والسياسة في السودان : من هيبة المؤسسة إلى أسر التنظيم . الخرطوم : دار Madarat .
6/ قناة العربية. (3 أغسطس 2021). برنامج من السودان : مقابلة مع اللواء عبد العزيز خالد [تسجيل تلفزيوني] .
ثالثاً/ تقارير المنظمات الدولية
1.
United Nations Security1 Council. (26 January 2015). Report of the Panel of Experts on Sudan (S/2015/42). New York: United Nations.
2.
United Nations Security Council. (24 October 2019). Final report of the Panel of Experts on Sudan (S/2019/820). New York: United Nations.
3.
United Nations Security Council. (22 January 2020). Report of the Panel of Experts on Sudan (S/2020/36). New York: United Nations.
4.
Human Rights Watch. (2018). Sudan: Islamists in Uniform – Military Complicity in Repression. New York: Human Rights Watch. متاح على: https://www.hrw.org
5.
Human Rights Watch. (2020). World Report 2020: Sudan – Military-Islamist Nexus. New York: Human Rights Watch.
6.
International Crisis Group. (19 September 2019). Sudan’s Islamists and the Security Apparatus: The Deep State Endures (Africa Briefing No. 148). Brussels: International Crisis Group
7.
International Crisis Group. (26 November 2013). Sudan: Preserving Peace in the East (Africa Report No. 209). Brussels: International Crisis Group.
8.
Human Rights Monitor. (2020). Military-Party Fusion: The Sudan Case Study. Geneva: Human Rights Monitor.
رابعاً: المصادر الأكاديمية :
1.
De Waal, Alex. (2015). “Sudan’s Islamist State: The Role of the Military in Governance”. African Affairs, 114(456), 356-378. https://doi.org/10.1093/afraf/adv042
2.
De Waal, Alex. (2015). The Real Politics of the Horn of Africa. Cambridge: Polity Press.
المركز الأفريقي للتنمية المحلية – وحدة التوثيق الدولية .
ديسمبر 2025
africancenterlocaldevelopment@gmail.com




