رأي

الحق في التعليم في زمن الحرب: تحديات الشهادة السودانية ومستقبل الطلاب

الطاهر علي موس .. نيالا

 

 الطاهر علي موسى … نيالا 

في ظل الصراع المسلح الدائر في السودان، أصبح ملف التعليم أحد أكثر الملفات الوطنية حساسية وتعقيدًا. فالحرب لم تقتصر على تدمير المؤسسات والبنية التحتية، بل امتدت لتطال مستقبل الأجيال عبر حرمان الطلاب من أبسط حقوقهم: الوصول إلى المدارس، وتأدية الامتحانات، والحصول على الشهادة، ومن ثم متابعة التعليم العالي. هذا الحرمان لا يأتي صدفة، بل هو نتيجة سياسات إقصاء تاريخية، واستهداف مناطقي وعِرقي، يحرم بموجبه بعض الطلاب من حق التعلم لمجرد ولادتهم في مناطق معينة، بينما تمنح مناطق أخرى كل الإمكانيات.

على مدار السنوات الثلاث الماضية، شهد طلاب مناطق سيطرة قوى التأسيس انقطاعًا طويلًا في التعليم، ليس بسبب تقصيرهم أو تقصير أسرهم، بل نتيجة النزاعات المسلحة والسياسات العقابية التي حولت التعليم إلى أداة للانتقام الجماعي. ولذا فإن السؤال الأكبر الذي يواجه هؤلاء الطلاب وأسرهم اليوم ليس مجرد أين ستُعقد الامتحانات، بل كيف يمكن ضمان حقهم في التعليم ضمن هذا الواقع المعقد؟

مع بداية استقرار بعض المناطق، وفتح المدارس تدريجيًا بفضل جهود رجال حكومة التأسيس، عاد الطلاب إلى الفصول الدراسية، محملين بأحلام أكبر من الجراح التي عانوا منها. ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة حول آليات عقد الامتحانات: من الجهة المشرفة، ومراكز التصحيح، ومدى جاهزية الحكومة الفنية والإدارية لضمان إنجاح هذا الاستحقاق الحيوي. ويضاف إلى ذلك غياب وزير التربية والتعليم لتقديم بيان رسمي وواضح للطلاب بشأن الإجراءات والخطط المعتمدة.

تتطلب هذه المرحلة حلولًا عملية وجريئة. من بين الاقتراحات الممكنة، اللجوء إلى التعاقد الرسمي مع جامعات في دول الجوار لقبول الطلاب السودانيين بشكل استثنائي، مع تقاسم تكاليف السفر والإعاشة بين الدولة وأسر الطلاب. هذه المبادرة، وإن كانت غير تقليدية، تمثل تفسيرًا عمليًا لمبدأ العدالة في ظروف استثنائية، وتمنح الطلاب فرصة لمتابعة تعليمهم دون تأجيل مستقبلهم.

أي استسلام لمركزية بورتسودان في هذا الملف سيعني عمليًا الانصياع لمشروع تعطيل التعليم، وإهداء الخصم نصراً مجانيًا على حساب عقول الشباب السوداني. ولذا، فإن الحكومة مطالبة بالعمل بشفافية كاملة، عبر إصدار جدول زمني واضح ومؤتمر صحفي يوضح الخطوات العملية لتأمين حق الطلاب في التعليم، مع توفير ضمانات لتنفيذها على أرض الواقع.

التحديات كبيرة، لكن المهم أن تلتزم حكومة التأسيس بالمسؤولية التاريخية تجاه الجيل القادم. فالأجيال لا تُنسى من وقف معها في أصعب اللحظات، ولا يُغفر لمن أضاع مستقبلهم. يحتاج الطلاب اليوم إلى صراحة الحكومة وصدقها، وإلى حلول عملية تُخرجهم من دائرة الإحباط والكآبة إلى أفق الأمل والمستقبل. التعليم ليس ترفًا، بل هو حق أساسي، ومفتاح لبناء السودان الذي يحترم مواطنيه ويكفل العدالة والمساواة، بعيدًا عن سياسات الإقصاء والتهميش التي عانى منها الشعب لعقود.

الحق في التعليم في زمن الحرب ليس مجرد امتحانات أو شهادات، بل هو دفاع عن مستقبل الوطن وأجياله. ومن واجب الحكومة أن تجعل هذا الحق واقعًا، لا مجرد وعد على الورق، لتظل قادرة على حماية الجيل الذي سيعيد بناء السودان ويصون مكانته في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!