
عبد الرحمن أبورندة – بنسلفانيا
تحرير الفاشر ليس مجرد انتصار عسكري عابر، بل هو لحظة استراتيجية فاصلة تعيد رسم المشهد العسكري والسياسي في السودان. السيطرة على مواقع الفرقة السادسة مشاة وإنهاء آخر خطوط دفاع الجيش في غرب البلاد، جعل دارفور اليوم تحت سلطة قوة واحدة تمتلك القرار والسلاح، ما يشكل تحولًا نوعيًا من وجود قوى متنافرة في رقعة محددة إلى قوة قادرة على توجيه التحولات في كامل البلاد. هذا الانتصار لا يكتسب أهميته من كونه انتصارًا ميدانيًا، بل من كونه يعكس ولادة واقع جديد في توزيع القوة والشرعية، حيث لم تعد الرمزية العسكرية القديمة كافية لإحداث التأثير المطلوب.
الفاشر، باعتبارها مدينة ذات ثقل رمزي وتاريخي، كانت دائمًا نقطة توازن بين المركز والأطراف. تحريرها يعني أن السلطة الفعلية لم تعد في الخرطوم أو أي مقر رسمي آخر، بل انتقلت إلى الميدان، حيث تُفرض المعادلة بالقوة والقدرة على التحكم بالواقع. هذه الحقيقة هي ما جعل القوة الجديدة تدخل في مفاوضات دولية من موقع المنتصر، حاملةً أوراق القوة الكاملة، وقادرة على فرض شروطها على أي طرف آخر.
في العاصمة الدولية، يظهر المشهد بوضوح أمام المجتمع الدولي: وفدان سودانيان في نفس القاعة، أحدهما يمثل القوة الفعلية على الأرض ويتحدث بثقة، بينما الآخر يفقد الكثير من مصداقيته بعد أن فقد الجيش رمزيته في الإقليم الغربي. الدول الكبرى والإقليمية باتت تتعامل مع الواقع الجديد وفق من يملك الأرض ويستطيع حسم أي فراغ أمني أو سياسي، لا وفق الألقاب الرسمية، ما يجعل القوة الجديدة لاعبًا رئيسيًا على مستوى القرار في التفاوض والمواجهة.
الأثر على الأمن القومي السوداني بالغ العمق، فمع انهيار الفرقة السادسة، تصبح الحدود الغربية أكثر هشاشة من الناحية الرمزية، لكنها تفتح المجال أمام القوة الجديدة لتقديم نفسها كجهة منظمة وقادرة على ضبط الإقليم وإدارة الأمن فيه بفعالية. هذا يعيد صياغة العلاقة بين الدولة المركزية والأقاليم، ويعزز من قدرة القوى المحلية على فرض واقع جديد يساوي بين القوة العسكرية والشرعية.
إقليميًا، تتابع العواصم الأفريقية والعربية المشهد بحذر شديد، إذ أن السيطرة على دارفور تعني التحكم في الممرات التجارية ومصادر الثروات، وتأثير ذلك يمتد مباشرة على التوازن الداخلي لدول الجوار. عواصم مثل تشاد وأفريقيا الوسطى تراقب بحذر، في حين تسعى القاهرة والرياض وأبوظبي لضمان مصالحها الاقتصادية والأمنية، فتحاول إقامة قنوات اتصال سريعة مع القوة الجديدة قبل أن تفرض القوى الكبرى شروطها.
داخليًا، يظهر مشروع بديل مدني يسعى لاستثمار الواقع الجديد لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، بينما تفقد الحكومة التقليدية شرعيتها بعد أن فقدت القدرة على السيطرة على الأرض. هذه التغيرات تعكس أن الشرعية السياسية لم تعد مجرد مسميات ومكاتب، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على الحضور الفعلي والسيطرة الميدانية، مما يعيد تعريف العلاقة بين القوة والأفق السياسي.
تحرير الفاشر في جوهره ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة لإعادة توزيع السلطة والشرعية. الخرطوم القديمة تتبدل، والمركز الحقيقي للقرار يتحرك نحو الميدان، حيث من يمتلك الأرض ويستطيع فرض إرادته هو من يصنع المفاوضات ويحدد شكل السودان القادم. الفاشر اليوم تكتب الفصل الجديد من تاريخ السودان، فالقوة لم تعد في الخطابات أو المكاتب، بل في من يمتلك الأرض ويستطيع ترجمة انتصاره العسكري إلى نفوذ سياسي حقيقي.




