
مؤيد الأمين
يجد الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه اليوم في واحدة من أعقد لحظات المشهد السياسي والعسكري في السودان. ليست أزمة عسكرية فحسب، بل أزمة خيارات مصيرية، تتشابك فيها الضغوط الداخلية مع الإملاءات الخارجية، وتتقاطع فيها مصالح الإسلامويين مع مطالب المجتمع الدولي، بينما يقف الشعب السوداني في المنتصف، منهكاً من حرب لا أفق لها.
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه: إلى أي مسار سينحاز البرهان؟ مسار السلام الذي تطالب به الرباعية والمجتمع الدولي، أم مسار الإسلامويين الذين يشكلون عمقه السياسي والأمني الحالي؟
من الناحية الواقعية، فإن البرهان لا يتحرك في فراغ. فهو محاط بشبكة معقدة من التحالفات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، كثير منها يرتبط عضوياً بالإسلامويين، سواء عبر الولاء السياسي أو المصالح أو الخوف من المحاسبة. هذا الارتباط جعل البرهان، عملياً، رهينة لتلك القوى
وعنقه – سياسياً – معلق بحبالها.
المسار الأول، وهو الانحياز لقرار الرباعية والمجتمع الدولي، يعني القبول بوقف الحرب، والانخراط في عملية سياسية تؤدي إلى سلطة مدنية، وإبعاد الإسلامويين من مراكز القرار. هذا الخيار، نظرياً، هو الأقرب لتطلعات الشارع السوداني المنهك، والأكثر قبولاً دولياً، وقد يفتح باب رفع العزلة وإعادة الإعمار.
لكن هذا المسار ليس بلا كلفة. فالتخلي عن الإسلامويين لن يكون عملية هادئة. من المرجح أن يفتح ذلك صراعاً داخل الدولة نفسها: انقسامات داخل الجيش، تمردات ناعمة أو صلبة، محاولات إفشال لأي انتقال، وربما استخدام الشارع أو السلاح لإرباك المشهد. البرهان، في هذه الحالة، سيواجه سؤال القوة: هل يملك القدرة والأدوات لمواجهة الإسلامويين بعد أن استخدمهم لسنوات كرافعة سياسية وأمنية؟
أما المسار الثاني، وهو الاستمرار في التحالف مع الإسلامويين، فيحمل مخاطر أكبر على المدى المتوسط والبعيد. هذا الخيار يعني مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، واستمرار الحرب، وتعميق عزلة السودان، وربما الذهاب نحو عقوبات قاسية تطال البرهان نفسه، إلى جانب قيادات الإسلامويين. التجربة السابقة تؤكد أن المجتمع الدولي قد يتأخر، لكنه لا يتراجع عندما يحسم موقفه.
في هذا السيناريو، سيكون الخاسر الأكبر هو الدولة السودانية، التي قد تتحول إلى ساحة صراع طويل الأمد، بلا شرعية داخلية ولا دعم خارجي. كما أن الإسلامويين أنفسهم، رغم خطاب التحدي، يدركون أن قدرتهم على إدارة دولة معزولة ومفلسة محدودة، وأن أي انتصار عسكري لن يتحول إلى استقرار سياسي.
الواقع يشير إلى أن البرهان يحاول، حتى الآن، اللعب على الحبلين: إرسال إشارات إيجابية للمجتمع الدولي، دون قطع حاسم مع الإسلامويين، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الرباعية، دون اتخاذ قرارات جذرية. لكن هذا النهج لم يعد قابلاً للاستمرار طويلاً. فمرحلة الرماديات توشك على الانتهاء، والضغوط تتزايد، والوقت يعمل ضد الجميع.
منطق السياسة يقول إن الخيار الأقل كلفة هو الانحياز للسلام، حتى لو كان مؤلماً في بدايته. فالتاريخ القريب في السودان يثبت أن التحالف مع الإسلامويين لم يجلب إلا العزلة والانهيار والصراعات المتتالية. كما أن أي محاولة لإدارة الحرب إلى ما لا نهاية ستقود حتماً إلى تفكك الدولة، وليس إلى حسم.
في المحصلة، يقف البرهان أمام لحظة حاسمة: إما أن يكون جزءاً من حل تاريخي، يفتح باب السلام ويقلل خسائر السودان، أو أن يختار مسار المواجهة والعناد، حيث ستكون النهاية السياسية محتملة للجميع، وربما أقرب مما يظن. القرار لم يعد تقنياً أو تكتيكياً، بل خيار وجودي، ليس للبرهان وحده، بل للدولة السودانية بأكملها.




