
علي سانتينو
ما يجري باسم العمل الإنساني في البلاد لم يعد انحرافاً أخلاقياً ولا فساداً، هو انحدار سافل إلى المتاجرة بالموت. من الواضح اننا أمام سماسرة حرب وتجار مآسٍ، وعصابة اتخذت من بورتسودان غرفة عمليات لإدارة النزوح كما تُدار الصفقات القذرة. فقد وصل الحال بهذه العصابة ان تصنع معسكرات من ورق، ونازحون بالكاميرات وميزانيات تحت لافتة الرحمة!
الغريب ان سلطة بورتسودان صنعت نموذجاً فاضحاً لشرعنة السرقة عبر صناعة معسكرات وهمية باسم الضحايا، تُقدَّم للمانحين بوصفها استجابة إنسانية، بينما هي في الحقيقة ماكينة لغسل المال والفساد السياسي. حيث لا وجود لمعاناة حقيقية في الحسابات، ولا أثر للنازحين في الواقع، كل ما هناك دفاتر مزوّرة وصور مُفبركة وتقارير تُكتب بلغة العواطف وتُدار بعقلية اللصوص!
هناك في الشمالية، فقد تم إنشاء معسكر وهمي باسم النازحين لتقنين النهب الذي تمارسه العصابة الإسلاموية ومرتزقة الحركات المسلحة باسم اهل دارفور كما تفعل من سنوات طويلة. هكذا تتحول الدولة إلى سمسار والكارثة إلى فرصة استثمار. فهؤلاء لا يبحثون عن حل، بقدر ما يبحثون عن سقف جديد لتوسيع السرقة. ففي قاموسهم النازح ليس إنساناً، بل تمويل وكروت ضغط وصورة مناسبة للتبرعات!
أما معسكر العفّاط الوهمي، فهو ذروة الوقاحة السياسية على الاطلاق. هو ليس معسكرا بالمعنى المعروف لكنه مسرحية رخيصة، كُتبت في بورتسودان وأُخرجت في العفاط. حيث جُلب نساء وأطفال من أم درمان ومدن اخرى ليُحشروا في مشهد يُسوّق على أنه مأساة الفاشر. لكن الفاشر، لا تسكن هذه الخيام الكاذبة والحقيره. أهلها الذين ذاقوا التشريد وقصف الطيران لا يُمثَّلون في هذا العرض السياسي البائس، لكن سُرقت اوجاعهم لصالح سماسرة الدماء!
ان اختلاق معسكر للنازحين في العفّاط ليس خطأً ولا سوء تقدير، هو جريمة أخلاقية وسياسية، جريمة تُرتكب بدمٍ بارد، لتحول الحرب إلى مشروع ربح، والنزوح إلى علامة تجارية. ومن يقفون خلف هذا الوهم هم لصوص الأزمات ومهندسو الخراب، وتجار المآسي الذين أشعلوا الحرب ليعيشوا على نارها، ويكنسوا الثروات فوق جثث الفقراء!
هناك في بورتسودان تُدار هذه الاسوق القذرة وهناك تُباع المعاناة بالجملة، وتُشترى الصمت بالمناصب، وتُقاس الكارثة بعدد المنح وحجم التمويل. هناك في وكر العصابة يقف سماسرة الموت بجلاليب نظيفة وأيدٍ ملوّثة، يتحدثون عن الإنسانية وهم يسرقون خبز الجوعى وأدوية الأطفال!
ان أخطر ما في معسكر العفّاط الوهمي أنه محاولة لتزييف الوعي الانساني، لقتل الحقيقة وإقناع الناس بأن المأساة مجرد مشهد زائل. لكنه في الواقع دليل إدانة صارخ على نظام حوّل السودان كلة إلى مسرح للخوف، وشعبه إلى كومبارس وارواحهم إلى أرباح. ان فضح جريمة العفاط ليس خياراً بل واجب، لأن السكوت هنا سوف يصبح شراكة والتطبيع خيانة، والحياد انحياز لسماسرة الموت.




