رأي

عندما يفقد مجلس السلم والأمن بوصلته: قراءة قانونية تُسقط شرعية بياناته بشأن السودان

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني المحامي 

أصدر مجلس السلم والأمن الإفريقي سلسلة متتابعة من البيانات والقرارات بشأن السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل، شملت البيان رقم 1216 بتاريخ 16 يوليو 2024، والقرار 1261 في 14 فبراير 2025، والقرارين 1292 و1293 في يوليو وأغسطس 2025، ثم البيان 1308 في 28 أكتوبر 2025، وأخيراً البيان الصادر في 18 ديسمبر 2025. وقد اتسمت هذه المواقف، مجتمعة، بتأييد واضح لحكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحكومة كامل إدريس، ورفض حكومة «تأسيس» ووصمها بـ«الحكومة الموازية»، إلى جانب إدانة قوات الدعم السريع، من دون التطرق لانتهاكات الجيش المرتبط بالحركة الإسلامية.

وهنا يثور السؤال القانوني الجوهري: هل صدرت هذه البيانات وفقاً لاختصاص مجلس السلم والأمن، وطبقاً لبروتوكوله التأسيسي لعام 2002، وإعلان لومي لعام 2000، والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي؟

من المبادئ المستقرة قانوناً أن أي قرار إداري لا يكون صحيحاً إلا بتوافر ثلاثة شروط: الاختصاص، والمشروعية، وعدم إساءة استعمال السلطة. وبإسقاط هذه القواعد على بيانات مجلس السلم والأمن، تتكشف إشكاليات جوهرية.

أولاً، استند المجلس في بياناته إلى المادة 7 من بروتوكوله التأسيسي لعام 2002، والتي تحدد اختصاصاته في ثماني عشرة فقرة من (أ) إلى (ص). وبالرجوع إلى هذه المادة، لا نجد أي نص يمنح المجلس سلطة تأييد حكومة بعينها أو منحها شرعية سياسية، أو إدانة طرف سوداني بعينه خارج إطار التغيير غير الدستوري. بل إن الفقرة (ز) من المادة 7 تلزم المجلس صراحةً بفرض عقوبات عند حدوث تغيير غير دستوري للحكومة، وفقاً لإعلان لومي لعام 2000.

ثانياً، فإن حكومة البرهان هي حكومة انقلابية وصلت إلى السلطة عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021. وبسبب ذلك، أصدر الاتحاد الإفريقي في 27 أكتوبر 2021 قراراً بتجميد عضوية السودان، استناداً إلى المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، التي تحظر مشاركة الحكومات التي تصل إلى السلطة بوسائل غير دستورية في أنشطة الاتحاد، وكذلك إلى المادة 4 (ع) التي تدين وترفض التغييرات غير الدستورية للحكومات. وبما أن مجلس السلم والأمن جهاز تابع للاتحاد الإفريقي، فإنه ملزم قانوناً بالالتزام بقراراته، لا مخالفتها أو الالتفاف عليها.

ثالثاً، خالف المجلس كذلك التزامه الوارد في المادة 7 (ز) من بروتوكوله، إذ لم يفرض أي عقوبات على حكومة البرهان، رغم وضوح توصيفها كحكومة انقلابية وفق إعلان لومي لعام 2000. ويُعرّف إعلان لومي التغيير غير الدستوري للحكومة حصراً، ويحدد العقوبات الواجبة، بدءاً بالإدانة، ثم المطالبة بإعادة النظام الدستوري خلال ستة أشهر، ثم فرض عقوبات سياسية واقتصادية، وصولاً إلى التدخل لإعادة الشرعية. ولم يلتزم المجلس بأي من هذه المراحل، بل اتخذ مساراً معاكساً عبر الدفاع عن الحكومة الانقلابية والاعتراف بها.

رابعاً، فإن رفض مجلس السلم والأمن الاعتراف بحكومة «تأسيس» يفتقر بدوره إلى السند القانوني. فهذه الحكومة لم تأتِ عبر انقلاب عسكري، بل نشأت بموجب إعلان تأسيسي ودستور انتقالي وقّعت عليه قوى سياسية وحركات مسلحة، ولا ينطبق عليها أي من تعريفات الانقلاب الأربعة الواردة في إعلان لومي. كما أن الإعلان التأسيسي والدستور الانتقالي استندا إلى القيم الديمقراطية المشتركة التي نص عليها إعلان لومي نفسه، من احترام حقوق الإنسان، والفصل بين السلطات، والشفافية، والمساءلة، وعدم الإفلات من العقاب.

خامساً، قامت «تأسيس» أيضاً على أسس متسقة مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة الأولى التي تقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظام حكمها. كما انسجمت مع أهداف ومبادئ الاتحاد الإفريقي الواردة في المادتين الثالثة والرابعة من قانونه التأسيسي، المتعلقة بتعزيز الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون.

وخلاصة القول، إن جميع بيانات وقرارات مجلس السلم والأمن الإفريقي بشأن السودان، في صيغتها الحالية، تفتقر إلى الاختصاص والمشروعية، وتخالف بروتوكول المجلس التأسيسي لعام 2002، وإعلان لومي لعام 2000، والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي. وعليه، فإنها قرارات باطلة قانوناً، لا يسندها نص، ولا تملك شرعية قانونية أو مؤسسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!