
إيمان التجاني
لم يكن تعقيب مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة في مجلس الأمن مجرد مداخلة دبلوماسية عابرة، بل جاء بمثابة زلزال سياسي ضرب جوهر الخطاب الذي حاول كامل إدريس تمريره باسم سلطة بورتسودان وجماعة الإخوان المسلمين. فقد أسقطت الكلمات الواضحة والمباشرة آخر الأقنعة التي احتمت بها هذه القوى طويلاً داخل المنابر الدولية.
لأعوام، راهنت سلطة بورتسودان على سياسة الخداع، وقدّمت نفسها باعتبارها “الدولة” في مواجهة الفوضى، بينما هي في الحقيقة واجهة لتنظيم إخواني أعاد إنتاج أدواته القديمة: المتاجرة بالسيادة، استغلال المنابر الدولية، وتوظيف المظلومية الكاذبة لتبرير القمع والحرب. غير أن العالم لم يعد ذلك العالم الساذج الذي يمكن تضليله بخطابات إنشائية.
وصف مندوب الإمارات لجماعة الإخوان المسلمين بأنها تنظيم مجرم لم يكن توصيفاً انفعالياً، بل خلاصة تجربة إقليمية ودولية مع تنظيم عابر للحدود، لا يعيش إلا على الفوضى، ولا يزدهر إلا في رماد الدول المنهارة. وهو توصيف يعكس إدراكاً متقدماً لحقيقة الأزمة السودانية، حيث اختُطفت الدولة لصالح مشروع أيديولوجي ضيق دفع البلاد إلى حرب مدمرة.
الأكثر أهمية في التعقيب الإماراتي هو الإشارة الصريحة إلى اقتراب التدخل الدولي. هذه العبارة وحدها كافية لإرباك سلطة بورتسودان، لأنها تعني أن مرحلة الصبر الدولي شارفت على نهايتها، وأن حماية المدنيين لم تعد شعاراً إنسانياً بل خياراً سياسياً مطروحاً على الطاولة. فحين يعجز الداخل، وتتورط السلطة في الانتهاكات، يصبح التدخل الخارجي نتيجة لا مؤامرة.
لقد كشف هذا التعقيب أن مجلس الأمن لم يعد ساحة مضمونة لتسويق الأكاذيب، وأن زمن استخدام المنابر الدولية كمسارح دعائية قد انتهى. كما بعث برسالة واضحة للقوى المدنية الحقيقية: أن المجتمع الدولي بدأ يميّز بين من يدّعي تمثيل الدولة ومن يعمل فعلاً من أجل إنقاذها.
إن ما جرى في مجلس الأمن ليس مجرد إحراج دبلوماسي، بل منعطف سياسي يؤكد أن السودان يقف على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها: سقوط رواية الإخوان، وانكشاف سلطة الأمر الواقع، واقتراب ساعة الحساب.




