رأي

سفير الانقلاب في كيغالي.. حين يتحدث الدبلوماسي بلسان التحريض

السفير عادل إبراهيم مصطفي

 

 السفير عادل إبراهيم مصطفي 

حين يبتسم السفير على خطاب يهدد بقطع الرؤوس من داخل سفارة رسمية، فاعلم أن الدولة غابت، وأن لغة المليشيا صارت بديلاً عن الدبلوماسية.

تتداول وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه سفير سلطة الانقلاب في رواندا، وهو يقدم رئيس الجالية السودانية ليوجه رسالة إلى من سماه “رئيس الجمهورية”، أي رئيس سلطة بورتسودان الانقلابية، وذلك في لقاء رسمي نظمته السفارة بالعاصمة كيغالي.

وفي هذا المشهد الذي لا يمت بصلة إلى الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، أطلق رئيس الجالية من على منبر السفارة رسالة تضمنت تهديدًا علنيًا للفريق عبد الفتاح البرهان بقطع رأسه إن هو أقدم على توقيع اتفاق مع قوات الدعم السريع.

اللافت في الفيديو لم يكن فقط مضمون التهديد العنيف، بل ابتسامة السفير وارتياحه الواضح وهو يشهد هذا الخطاب العدواني يخرج من منبر رسمي يفترض أنه يمثل السلطة التي منحته التفويض لتمثيلها في دولة رواندا. غير أن المشهد كشف انحياز السفير الصريح لجماعة “بل بس” ولغة الحرب، لا للسلام والدبلوماسية.

إنها لحظة تختزل تمامًا ما آلت إليه مؤسسات الدولة المختطفة من قبل بقايا النظام الإسلاموي — مؤسسات فقدت أبسط مقومات الحياد والانضباط المهني، وأضحت أدوات للتحريض السياسي وامتدادًا لصراع داخلي يُنقل إلى الخارج بلا حياء.

وما يجعل الحدث أكثر فداحة أنه جرى في دولة مثل رواندا، التي استطاعت أن تطوي صفحة الحرب الأهلية والكراهية العرقية، لتصبح نموذجًا للسلام والمسؤولية والتنمية في إفريقيا. وأن يُستغل ترابها اليوم لإطلاق دعوات تحريضٍ وعنفٍ من قبل ممثلين لدولة السودان، لهو أمر يحمل دلالة رمزية مؤلمة عن مدى الانحدار الذي بلغته الدبلوماسية السودانية تحت سلطة الانقلاب.

ما جرى في كيغالي ليس حادثة معزولة، بل سابقة خطيرة في تاريخ العمل الدبلوماسي السوداني، تكشف كيف تحولت سفارات البلاد إلى منابر حزبية تخدم أجندة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وتعيد إنتاج خطاب الكراهية والانقسام حتى بين السودانيين في المهجر.

إنه مشهد آخر يؤكد أن الإخوان المسلمين لم يُبقوا في السودان شيئًا اسمه الدولة، بل مجرد سلطة تتحدث بلسان العنف، وتُدير علاقاتها الخارجية بعقلية المليشيا لا بمنطق الدولة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!