
ابو عبدالله الراشدي
لم تكن الحركة الإسلاموية في السودان مجرد تنظيم سياسي أخطأ في الحكم، بل مشروعاً سلطوياً كاملاً قام على مصادرة الدولة، وتفكيك المجتمع، وإخضاع السياسة لمنطق العقيدة المؤدلجة. ومع كل منعطف تاريخي، كانت هذه الحركة تثبت أنها غير قادرة على التعايش مع الدولة الحديثة، ولا مع التعدد، ولا مع فكرة المواطنة نفسها. فكلما اقتربت من السلطة، ابتعدت عن القيم، وكلما رفعت شعاراتها، انكشفت ممارساتها.
المشكلة الجوهرية في هذا التيار ليست في مرجعيته الدينية، بل في استخدامه الدين كأداة للهيمنة. إذ جرى تحويل الإيمان إلى رافعة سياسية، والشعارات إلى بديل للبرامج، والخصومة السياسية إلى معركة أخلاقية تُكفَّر فيها الآراء وتُشيطن المخالفات. وبهذا المنطق، لم يعد الخصم مواطناً مختلفاً، بل عدواً يجب إقصاؤه أو سحقه، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام العنف بوصفه وسيلة مشروعة للحكم.
عندما وصلت الحركة إلى السلطة، لم تنشغل ببناء دولة، بل بتأسيس تنظيم داخل الدولة. فكان “التمكين” هو الفلسفة الحاكمة: استبدال مؤسسات قومية بشبكات ولاء، وإحلال الانتماء التنظيمي محل الكفاءة، وتحويل الخدمة العامة إلى غنيمة. وبهذا تم تجفيف مصادر المهنية في الجيش، والقضاء، والشرطة، والإدارة، لتتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل خاوية تخدم فكرة واحدة لا وطناً جامعاً.
لم تتوقف شهوة السيطرة عند مؤسسات المركز، بل امتدت إلى المجتمع ذاته. فجرى اللعب على التناقضات القبلية، وتسليح الهويات، وتأجيج الصراعات المحلية لضمان إعادة إنتاج الخوف والانقسام. لم يكن الهدف إنهاء النزاعات، بل إدارتها بما يخدم بقاء السلطة. وهكذا تآكل النسيج الاجتماعي، وتراجعت فكرة الأمة لصالح جماعات متناحرة، تُستنزف في صراعات لا تنتهي.
أما المؤسسة العسكرية، فقد كانت من أخطر ساحات العبث. إذ جرى تفريغ عقيدتها الوطنية لصالح ولاءات أيديولوجية، وخلق مراكز قوة داخلها تتبع للتنظيم أكثر مما تتبع للدولة. وبهذا تحوّل قرار الحرب والسلم إلى أداة سياسية، لا تخضع لمعايير المصلحة العامة، بل لحسابات البقاء والتمكين. ولم يعد السلاح وسيلة لحماية البلاد، بل رافعة لإخضاعها.
في هذا السياق، لم يكن الفساد عرضاً جانبياً، بل بنية متكاملة. فحين تُقدَّس الفكرة، يُبرَّر كل ما يُرتكب باسمها. المال العام يصبح مباحاً، والموارد تُنهب تحت لافتات كبرى، والصفقات تُدار في الظل، بينما يُمنح الخطاب الأخلاقي دور المخدّر الذي يُسكت الأسئلة. هكذا التقى الفساد المالي بالاستبداد السياسي، وتغطيا بالدين.
ومع اندلاع الحرب الراهنة، سقطت آخر الأقنعة. إذ ارتبط خطاب هذا التيار بالعنف الصريح، وتبرير القتل، وشرعنة التهجير، وتقديم الفوضى بوصفها ثمناً “ضرورياً” لاستعادة السيطرة. لم تعد الدولة هي الهمّ، بل العودة إلى الحكم بأي كلفة، حتى لو احترق الوطن كله. وهنا تتجلى طبيعة المشروع: سلطة بلا حدود، بلا مساءلة، وبلا حس إنساني.
تقوم سردية الحركة على الوصاية؛ افتراض امتلاك الحقيقة، والحديث باسم المجتمع قسراً. ومن هذه الوصاية ينبثق العنف، لأن من يعتقد أنه الممثل الوحيد للقيم يرى في الإكراه وسيلة مشروعة. وهكذا تُقدَّم الحرب كـ”ضرورة”، ويُعاد تعريف الضحايا كخسائر جانبية، ويُمنح القتل صكوك تبرير جاهزة.
أما عودة هذا المشروع إلى السلطة عبر البندقية، فهي وصفة مؤكدة لمزيد من العزلة والانهيار. فالعالم لا يتعامل مع نظم تحكم بالعنف وتخاصم شعبها، والاقتصاد لا ينهض في ظل الحصار، ولا تستقر دولة تُدار بمنطق الثأر. وسيكون ثمن ذلك استمرار الحرب، وتعميق الفقر، وتفكك ما تبقى من المجتمع، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع دائمة.
إن أخطر ما في هذا المشروع أنه لا يتعلم من فشله. يكرر الأدوات ذاتها، ويعيد الأخطاء نفسها، ويتوقع نتائج مختلفة. لكنه يتجاهل حقيقة واحدة: الشعوب قد تُقهر مؤقتاً، لكنها لا تُمحى. والذاكرة الجمعية، مهما طال القهر، لا تنسى من دمّر الدولة باسم إنقاذها.
لقد آن الأوان لفهم واضح: لا مستقبل لدولة تُدار بالعقيدة القسرية، ولا خلاص لوطن يُختطف باسم الفضيلة.
والحركة الإسلاموية، كما أثبتت التجربة، ليست حلاً لأزمة السودان…
بل جوهرها العميق.




