رأي

الزغاوة: وعي اجتماعي يحصن القبيلة من الاستقطابات السياسية

ايمان التجاني

 

إيمان التجاني 

إن البيان الصادر عن أبناء قبيلة الزغاوة بتاريخ 24 أغسطس 2025 يعكس وعيًا عميقًا ومسؤولية تاريخية تجاه المحافظة على وحدة القبيلة وسلامة أهلها، بعيدًا عن كل محاولات الزج باسمها في الاستقطابات السياسية والعسكرية التي تكررت منذ عام 2003. هذا الوعي ليس جديدًا، فقد سبق للدكتور عبد الجبار دوسة أن أشار في مقاله الشهير «إنها ليست حرب الزغاوة» إلى أهمية فصل القبيلة عن صراعات السلطة والخوض في تفاصيلها السياسية، مؤكدًا أن القبيلة هي رابطة اجتماعية قائمة على الدم والجوار والتضامن، وليست كيانًا سياسيًا أو أداة للحشد العسكري.

يأتي بيان الزغاوة ليؤكد موقفًا ثابتًا، مفاده أن القبيلة ليست جزءًا من أي مشروع سياسي أو عسكري، وأن كل فرد من أبنائها مسؤول عن مواقفه الشخصية دون تحميل الجماعة ما لا تمثل. هذا الموقف يعكس إدراكًا حقيقيًا لأهمية حماية النسيج الاجتماعي، ومنع تفكيكه بفعل الحسابات الضيقة أو الاستغلال السياسي. التحذير الواضح من خطورة تسييس القبيلة وتحويل مناطقها إلى ساحات صراع يعكس وعيًا بمخاطر عسكرة المجتمع، وما يترتب عليها من تهديد مباشر للمدنيين والمناطق المدنية.

كما أن رفضهم لتكوين هيئة الشورى لقبيلة الزغاوة التي تشكلت بشكل متسرع وغير شفاف يؤكد حرص القبيلة على مؤسسات قائمة على التمثيل العادل والتشاور الحقيقي، بعيدًا عن الانحراف إلى الحشد السياسي أو العسكري. هذا الرفض ليس مجرد موقف شكلي، بل تعبير عن رغبة حقيقية في حماية مصالح القبيلة العليا، وصون استقرارها الاجتماعي، ومنع استغلالها كأداة للصراع.

يبين البيان أيضًا فهم الزغاوة العميق لدورهم في دارفور والسودان ككل؛ فالمناطق التي يعيشون فيها ليست معسكرات عسكرية ولا ساحات للتجنيد، بل هي حواضن مدنية يسعى سكانها للأمن والاستقرار وسبل العيش الكريم. هذا التصور المدني يعكس رؤية استراتيجية للقبيلة، تقر بأن قوتها الحقيقية تكمن في الحفاظ على تماسكها الاجتماعي وتاريخها الثقافي، وليس في المشاركة في صراعات لا طائل منها.

إن خطاب الزغاوة يمثل نموذجًا نادرًا للوعي الجمعي في مناطق النزاع، حيث يستطيع المجتمع أن يميز بين مصالحه وأجندات القوى الخارجية أو المحلية التي تحاول استغلاله. ويؤكد البيان أن حماية القبيلة وأرضها لا تكون بالشعارات أو التحريض، بل بالحكمة، ورفض عسكرة المجتمع، والسعي الجاد نحو حلول سياسية عادلة تنهي معاناة المدنيين.

ختامًا، يثبت موقف قبيلة الزغاوة أن الانتماء الاجتماعي والثقافي يمكن أن يشكل درعًا يحمي المجتمع من الانزلاق في صراعات سياسية مدمرة. إن وعي أبناء القبيلة، ورفضهم للزج باسمها في الحروب والخلافات، يجعلهم عنصرًا فاعلًا في بناء السلام والاستقرار، ويؤكد أن القبائل ليست وقودًا للصراعات، بل جسرًا للتعايش والوحدة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!