
بروفيسور عبدالرحمن العمرابي
في السودان لا تصعد القوى السياسية إلى المسرح لأنها جاهزة للحكم، بل لأنها تجد المسرح خالياً من الدولة. كل من مرّ من هنا، منذ سقوط نظام البشير وحتى اليوم، لم يسأل نفسه سؤال الدولة، بل سؤال الموقع والدور والسبق. وهكذا تحوّل المشهد العام إلى مسرح تتبدل فيه الوجوه، بينما يبقى النص واحداً: فشل مؤسسي مزمن يُعاد إنتاجه باسم الثورة، أو السلام، أو العدالة، أو حتى الأخلاق.
كتاب «لماذا تفشل الأمم» لم يُكتب عن السودان، لكن السودان قرر أن يكون تطبيقه العملي. فالدولة هنا لم تُبنَ كمؤسسة عامة، بل كغنيمة. النخب تتغير، التحالفات تتبدل، لكن القاعدة الصلبة لم تتزحزح: مؤسسات إقصائية، سلطة بلا مساءلة، واقتصاد يُدار بالولاءات لا بالإنتاج.
قوى الحرية والتغيير، التي صعدت بوصفها الواجهة السياسية للثورة، لم تسقط فقط لأنها حوربت من العسكر، بل لأنها عجزت عن الانتقال من تحالف احتجاجي إلى مشروع دولة. احتكرت التمثيل واحتكر التمثيل، ارتبكت أمام التنوع، وتصرفت كأن الشرعية الثورية صك مفتوح لا يخضع للمحاسبة. انقساماتها لم تكن حول برنامج وطني أو نموذج حكم، بل حول من يتحدث باسم الثورة ومن يقترب أكثر من السلطة. أسيموغلو يذكّر بأن النخب التي لا تقيّد نفسها بمؤسسات شاملة تتحول سريعاً إلى نخب إقصائية، حتى لو جاءت باسم الجماهير، وهذا ما حدث دون مواربة.
ثم جاءت «تقدم»، وتلتها تحالفات ولدت من مخلفاتها مثل «تأسيس» و«صمود»، فحملت لغة أكثر حداثة وأقل وضوحاً. تغيّر الخطاب، لكن العقل ظل هو نفسه: عقل النخبة التي تخشى القواعد، وتفضل التفاهمات الضيقة على بناء مؤسسات مفتوحة وملزمة. لم تُنتج هذه التحالفات قواعد قرار شفافة، ولم تبنِ هياكل تمثيل حقيقية، بل أعادت إنتاج مركز صغير يدّعي الحديث باسم الكل. الثورة هنا لم تُقمع فقط، بل جرى إنهاكها سياسياً.
الحركات المسلحة، من جهتها، دخلت الخرطوم ولم تغادر عقلية الجبهة. تعاملت مع الدولة كفاتورة مؤجلة، ومع السلام كاستحقاق تفاوضي. لم تنتقل من منطق القوة إلى منطق القانون، بل نقلت ميزان القوة إلى داخل السياسة. ووفق منطق «لماذا تفشل الأمم»، حين يصبح السلاح هو طريق الشرعية، تتحول الدولة إلى جائزة، ويصبح السلام هدنة طويلة لا عقداً اجتماعياً.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي رفعت مطالب جوهرية تتعلق بعلاقة الدين بالدولة وبإعادة تأسيس السودان، لكنها اختارت طريق العزلة السياسية وشرطية الموقف الكامل. تحولت المطالب العادلة إلى شروط إقصائية، وبات الخطاب أكثر راديكالية من القدرة على التحالف، فغابت الحركة عن لحظات مفصلية كان يمكن أن تُترجم فيها أفكارها إلى برنامج وطني جامع. أسيموغلو يحذّر من أن المشاريع التي تطرح رؤى كبرى دون آليات اندماج مؤسسي تتحول إلى جزر معزولة، مهما كانت عدالة شعاراتها.
أما حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، فقد اختارت موقع الشاهد الأخلاقي الدائم. رفضت كل التسويات، ورفعت سقف العدالة إلى حدّ تجميد السياسة نفسها. تحولت من حركة مقاومة إلى موقف، ومن مشروع تغيير إلى حالة انتظار. في تجربة الدول، كما تشير الأدبيات المقارنة، فإن الامتناع الدائم عن السياسة لا يحفظ نقاءها، بل يتركها لمن لا يتورعون عن تلويثها. الأخلاق بلا مؤسسات لا تبني دولة، بل تترك الدولة لأسوأ من فيها.
الأحزاب التقليدية لم تكن أفضل حالاً. أحزاب هرمة، تعيش على الطائفة أو التاريخ أو ذاكرة المعارضة، دون تجديد فكري أو تنظيمي. تخاف من القواعد بقدر ما تخاف من العسكر، وتفضل البقاء في المنطقة الرمادية على خوض معركة الإصلاح الحقيقي. هذه أحزاب، كما يسميها أسيموغلو، تعيش على الماضي وتعرقل المستقبل. أما الأحزاب الحديثه لا يمكن تعريفها علميا بانها احزاب بلورتها الحاليه فهي لا تتعدي كونها شله فشلت في تقييم نفسها قبل تقدير الآخرين فما الذي يتوقع منهم سوي مواقف اركان النقاش وقله الخبره وادعاء التمثيل.
ثم جاءت الحكومات الانتقالية،ففشل او افشال حكومه حمدوك اظهر جبن القائمين عليها ورخصهم عند التخلي عن الوثيقه الدستوريه ومطالب الثوره مقابل البقاء في شراكه الحكم، ولا مجال هنا للحديث عن حكومه تاسيس التي فشلت حتي في التكوين، وعزلت النخبوية وتتفتت بعناد الجهلاء ومطامع من لم يجد فرصه في تقدم وآخرها حكومة كامل إدريس، فبدت كجزر معزولة بلا سند اجتماعي صلب. حكومات كفؤة على الورق، عاجزة على الأرض، تفتقر لأدوات تفكيك الدولة العميقة، وتعتمد على الشرعية الخارجية او تسعي لايجادها أكثر من اعتمادها على عقد داخلي. تجربة سنغافورة، كما يرويها لي كوان يو، تقول بوضوح إن الدولة لا تُبنى بالخبراء وحدهم، بل بسلطة قانون لا تفاوض فيها، ومؤسسات تحاسب الأقوياء قبل الضعفاء، وها نحن في السودان نستبعد الخبراء ونخلق الأوصياء.
ولا يمكن القفز فوق حكومة البرهان، التي أعادت إنتاج منطق الوصاية العسكرية باسم الاستقرار، ولا فوق الدعم السريع بوصفه نتاجاً مباشراً لانهيار الدولة لا سببها الوحيد. البرهان لم يحكم بدولة مؤسسات، بل بإرث جيش لم يُعاد بناؤه وطنياً منذ الاستقلال. أما محمد حمدان دقلو، فبعيداً عن التقييمات الانفعالية، فهو تعبير عن فراغ الدولة التاريخي، لا اختراعاً فردياً له؛ نتاج مركز فشل في بناء جيش قومي واحد، ثم صُدم حين خرج الهامش إلى قلب السلطة.
المشكلة، في جوهرها، ليست في شخص أو جماعة أو حركة بعينها. المشكلة أن الجميع صعدوا إلى المسرح السياسي وهم يحملون عقلية ما قبل الدولة. بعضهم رفع شعار الثورة، وبعضهم السلام، وبعضهم العدالة، وبعضهم الأمن، لكن أحداً لم يكسر القاعدة نفسها.
لي كوان يو لم ينجح لأنه كان معصوماً، بل لأنه فهم أن تغيير الوجوه دون تغيير القواعد هو أسرع طرق الفشل. السودان، في المقابل، أدمن البحث عن «المجدد» و«البديل» و«المنقذ»، وكأن المشكلة في الأشخاص لا في البنية. وهذا هو أخطر أشكال الفشل: أن نكرر التجربة نفسها، ونسميها أملاً جديداً في كل مرة.
السودان لا تنقصه الشعارات ولا النوايا ولا القوى. ما ينقصه هو الشجاعة الجماعية لكسر الحلقة: تفكيك المؤسسات الإقصائية، إنهاء عسكرة السياسة، بناء دولة قانون، والاعتراف بأن كل من صعد إلى المسرح دون أن يغيّر القواعد كان، بقصد أو بدونه، جزءاً من المشكلة.
الأمم لا تفشل لأنها فقيرة، بل لأنها ترفض أن تتعلم، والسودان، حتى الآن، لا يزال يصرّ على إعادة الدرس.
افيقوا من هذه الغيبوبه فالسودان لم يتخلف بايدي الفشله من أبناءه بل توقف عن التقدم حين استمر العالم من حوله في المسير من نتاج افعالهم.




