«السودان بين شرق أوسطين»… تقرير توثيقي ضخم يعيد سرد الأزمة السودانية بشهادات من الداخل
التنوير متابعات

التنوير .. متابعات
أثار العمل الصحفي التقريري التوثيقي الموسّع «السودان بين شرق أوسطين» اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والفكرية، لما قدّمه من قراءة معمّقة لمسار السودان منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018، مرورًا بحكومة الانتقال المدني، ثم الانقلاب، وصولًا إلى الحرب الحالية، مستندًا إلى تحليل تاريخي وسياسي وشهادات مباشرة لفاعلين عايشوا الأحداث من قلب المشهد.
العمل من إنجاز الفنانة العالمية والكاتبة Chama Mechtaly، ويتميّز بكونه لا يكتفي برصد الوقائع، بل يفكك البنى الأيديولوجية للدولة السودانية، وخطر الإسلاميين، وارتباطاتهم الإقليمية، ودور الجيش، مع مساءلة السرديات الدولية التي هيمنت على فهم الحرب.
من الثورة إلى الحرب: مسار ديمقراطي أُجهِض
يعرض التقرير ثورة ديسمبر باعتبارها لحظة قطيعة تاريخية مع المشروع الإسلامي السلطوي، حين تصدّر شعار «حرية، سلام، وعدالة» المجال العام، قبل أن يتعرض هذا المسار لضربات متتالية بدأت بفضّ الاعتصام في 2019، ثم بانقلاب 2021، لتنتهي بحرب شاملة. ويرى العمل أن فشل الانتقال لم يكن نتيجة أخطاء مدنية فقط، بل حصيلة استمرار الدولة العميقة وتغلغل الإسلاميين داخل المؤسسات السيادية.
شهادات من الداخل: منعم سليمان ونصر الدين عبد الباري
يستند التقرير إلى شهادات موثقة من داخل السودان، أبرزها شهادة الصحفي منعم سليمان، مؤسس منصة Sudan Peace Tracker، الذي أكد أن شبكات الإسلاميين المرتبطة بالنظام السابق ما تزال تهيمن على السرد الإعلامي للحرب عبر الجيش والإعلام المؤسسي، في حين يتم تهميش أصوات الهامش والروايات البديلة. وأشار إلى أن الولاءات على الأرض أكثر تعقيدًا، وأن خط الصدع الحقيقي يدور بين أنصار النظام الأيديولوجي القديم ومن انشقوا عنه منذ 2019.
كما يتضمّن العمل شهادة وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري، الذي قدّم مقاربة قانونية للصراع، موضحًا أن كثيرًا من مقاتلي الدعم السريع الحاليين لم يشاركوا في جرائم دارفور التاريخية بحكم أعمارهم، مع التشديد على أن المسؤولية الجنائية لا ينبغي أن تُطمس أو تُعمَّم خارج سياقها القانوني والتاريخي.
الإسلاميون والإقليم: قطر والسردية المسيَّسة
يفكك التقرير دور الإسلاميين وارتباطاتهم الإقليمية، معتبرًا أن قطر لعبت دورًا مركزيًا في دعم شبكات سياسية وإعلامية أعادت إنتاج سردية مبسطة للحرب، تُغفل مسؤولية التيار الإسلامي ومحوره الإقليمي. كما ينتقد توظيف تقارير حقوقية وأبحاث أكاديمية انتقائيًا، بحيث تُضخّم انتهاكات بعينها مقابل تدقيق أقل في أدوار فاعلين آخرين، محذرًا من تحوّل لغة حقوق الإنسان إلى أداة سياسية.
«ذهب السودان»: تفنيد اتهامات مضلِّلة
ويخصص العمل فصلًا لتفكيك سردية «ذهب السودان» والاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات، موضحًا أن هذه الطروحات تتجاهل طبيعة تجارة الذهب العالمية، حيث تعمل دول عديدة كمراكز للتكرير وإعادة التصدير دون امتلاك مناجم. ويرى التقرير أن هذه السرديات تُستخدم لصرف الانتباه عن جذور الأزمة الداخلية، ولا تسهم في بناء فهم واقعي لمسارات الاقتصاد والحرب.
ويخلص تقرير «السودان بين شرق أوسطين» إلى أن الجمع بين التحليل العميق والشهادات المباشرة يمنحه قيمة توثيقية عالية، ويعيد الاعتبار لروايات من الداخل، مؤكدًا أن أي أفق حقيقي للديمقراطية في السودان يظل مرهونًا بتفكيك الدولة الأيديولوجية وكسر احتكار السرد الدولي للأزمة.




