رأي

السودان بين شرق أوسطين: حين تُكتب المأساة بعيون الآخرين

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

ليست مأساة السودان في الحرب وحدها، بل في الكيفية التي تُروى بها. فبين الرصاص والدم، تُشن حرب موازية لا تقل خطورة: حرب السرديات. من هنا تبرز أهمية العمل الصحفي التوثيقي الكبير «السودان بين شرق أوسطين» للفنانة والكاتبة العالمية Chama Mechtaly، بوصفه محاولة جريئة لاستعادة القصة من أيدي من اختزلوها، وإعادتها إلى سياقها التاريخي والسياسي الحقيقي.

هذا العمل لا يقدّم السودان كبلدٍ سقط فجأة في أتون صراع بين جنرالين، ولا كأرضٍ مستباحة لتصفية حسابات إقليمية فحسب، بل كدولة حُكمت لعقود بمشروع أيديولوجي مغلق، دمّر السياسة، وشرعن العنف، وحوّل الدين إلى أداة إقصاء وإبادة. هنا، لا تعود الحرب حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التمكين والانقلاب على المجتمع.

منذ ثورة ديسمبر 2018، بدا أن السودان على أعتاب قطيعة تاريخية مع دولة الإسلاميين. كان شعار «حرية، سلام، وعدالة» إعلانًا صريحًا بأن زمن «الإسلام هو الحل» قد انتهى، وأن الدولة المدنية لم تعد ترفًا نخبويًا، بل مطلب شارع. لكن ذلك الحلم اصطدم بجدار الدولة العميقة، وبجيش لم يُفكك ارتباطه الأيديولوجي، وبإقليمٍ لم يكن محايدًا تجاه تجربة ديمقراطية خارج عباءته.

يُحسب لهذا العمل أنه لا يكتفي بالسرد من الخارج، بل يستند إلى شهادات من الداخل، تعيد الاعتبار لتعقيد المشهد. شهادة الصحفي منعم سليمان تكشف بوضوح كيف لا تزال شبكات النظام الإسلامي القديم تهيمن على رواية الحرب، مستفيدة من سيطرتها على الجيش والإعلام المؤسسي، بينما تُقصى أصوات الهامش والضحايا الحقيقيين. أما شهادة وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري، فتنبه إلى خطورة التعميم الأخلاقي والسياسي، وتدعو إلى قراءة قانونية تميّز بين الجرائم التاريخية والمسؤوليات الفردية، بعيدًا عن الشعبوية الحقوقية.

الأهم في هذا العمل أنه يفضح كيف تُستخدم لغة حقوق الإنسان ذاتها كسلاح سياسي. فباسم العدالة، تُبنى سرديات انتقائية، وباسم الضحايا، تُبرّأ قوى أيديولوجية لعبت دورًا مركزيًا في صناعة المأساة. تُختزل الإبادة في دارفور، مثلًا، في فاعل واحد، بينما يُغضّ الطرف عن الدولة التي شرعنتها، وعن المشروع الديني الذي منحها غطاءه الأخلاقي.

وفي هذا السياق، تأتي إعادة تفكيك سردية «ذهب السودان» كاختبار صارخ لزيف التحليل السائد. فاتهام دولة بعينها بنهب الموارد، مع تجاهل طبيعة تجارة الذهب العالمية، لا يعكس حرصًا على السيادة الاقتصادية، بقدر ما يكشف رغبة في توجيه الغضب خارج الحدود، وتبييض الداخل من مساءلة حقيقية.

«السودان بين شرق أوسطين» ليس دفاعًا عن طرف، ولا تبرئة لقوة، بل هو مساءلة شاملة لكل من حاول اختزال السودان في صورة تخدم أجندته. إنه تذكير بأن بلادنا ليست نسخة من غزة، ولا مسرحًا لإعادة تمثيل صراعات الآخرين، بل مجتمع معقّد، متعدّد، ودفع ثمن الدولة الأيديولوجية أكثر مما يحتمل.

في زمن تُكتب فيه قصتنا في الدوحة، أو العواصم الغربية، أو غرف الأخبار البعيدة، تأتي قيمة هذا العمل في أنه يقول ببساطة: السودان لا يُفهم إلا من داخله. وأن الطريق إلى الديمقراطية لا يمر عبر تزييف التاريخ، ولا عبر سرديات أخلاقية مريحة، بل عبر مواجهة الجذور الحقيقية للعنف، مهما كانت مؤلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!