
الطاهر علي موسى
لقد هبّت رياح الشرق، لا كعاصفة غضبٍ عابرة، بل كإعلانٍ سياسي ناضج بأنّ زمن الصمت قد انتهى. تحت الرماد المتراكم من التهميش والإقصاء، ظلّت نار الشرق متّقدة، تنتظر لحظة الهبوب. وجاءت تلك اللحظة من همشكوريب، حيث تحوّل الصوت الشعبي إلى رسالة واضحة: الشرق حاضر اليوم في قلب معركة إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، عادلة، وشاملة.
خطاب السيد إبراهيم (دنيا) أمام آلاف المواطنين لم يكن خطاب تعبئة آنية، بل قراءة واعية لمرحلة ما بعد الحرب، ورسالة اصطفاف صريح مع مشروع تأسيس لبناء السودان الجديد. حين قال: «نحن لسنا أذيالاً، حان الوقت لنيل حقوقنا»، لم يكن ذلك خروجاً عن إطار الوحدة، بل تأكيداً عليها من بوابة الشراكة الحقيقية. فالشرق، كما عبّر المتحدث، لا يسعى للانفصال، ولا لخلق عداوات جديدة، بل يريد أن يُدار وطنه بعقد سياسي عادل ينهي إرث المركزية الخانقة.
تاريخ شرق السودان النضالي أعمق من أن يُختصر في لحظة غضب. فمنذ ما قبل الاستقلال، ظل الإقليم يقدّم الولاء للوطن، بينما يتلقى في المقابل التهميش وضعف التنمية وغياب الخدمات. ورغم ذلك، لم يكن الشرق يوماً منصة للتمرد على الوحدة، بل ظلّ حارساً لها، مطالباً فقط بإعادة تعريفها على أسس الإنصاف. هذا التاريخ يجعل من انخراط الشرق في مشروع تأسيس خطوة طبيعية، لا طارئة، فالفيدرالية التي تنادي بها حكومة تأسيس هي ذاتها المطلب الجوهري الذي ظل أهل الشرق يرددونه لعقود.
اللافت في خطاب همشكوريب أنّه جاء خالياً من المطالب التفصيلية، ومشحوناً بالرسائل الاستراتيجية. فقد ركّز على مبدأ استقلالية القرار الإقليمي داخل الدولة الواحدة، وعلى رفض احتكار السلطة والثروة، وهو جوهر مشروع تأسيس. كما حمل الخطاب رسالة طمأنة: «نحن مع الوحدة والسلام»، في توقيت دقيق بدأت فيه الحرب تضع أوزارها، وتتشكل فيه ملامح المشهد السياسي الجديد.
إنّ هبوب رياح الشرق في هذا التوقيت ليس مصادفة. فالتحولات الإقليمية والدولية، وتبدل موازين القوى في الداخل، تفرض على الجميع إعادة الحسابات. وهنا يصبح الشرق رقماً صعباً في معادلة الاستقرار. وإذا أحسنت قيادة تأسيس قراءة هذه اللحظة، فإنّ كسب الشرق لن يكون مجرد مكسب سياسي، بل تأسيساً فعلياً لوحدة طوعية قائمة على الرضا، لا على القهر.
لقد هبّت رياح الشرق حاملة معها ذاكرة نضال طويلة، ورؤية واضحة لمستقبل السودان. رسالة الشرق اليوم لا تهدد، بل تؤسّس؛ لا تُقصي، بل تدعو للشراكة؛ ولا تهدم، بل تطالب بدولة تُدار بعدالة وفيدرالية حقيقية. السودان ليس ملكاً لفرد، ولا حزب، ولا جهة، بل وطنٌ يتسع للجميع. وإذا كانت هذه هي لحظة التأسيس، فإنّ الشرق أعلن استعداده ليكون في مقدمة البنّائين، لا في هامش المنتظرين.




