رأي

حين تصون مصر «مؤسسات الوكلاء»: قراءة في ارتهان الدولة السودانية وإعادة إنتاج الاستعمار

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لا يمرّ الخطاب المصري المتكرر حول “صون مؤسسات الدولة السودانية” دون أن يثير أسئلة عميقة حول المقصود بالمؤسسات، ولصالح من تُصان، وضد من تُستخدم. فالتجربة السودانية مع هذا الشعار لم تكن يومًا تجربة حياد أو دعم لاستقرار حقيقي، بل كانت، في معظم محطاتها، غطاءً سياسيًا لإدامة بنية سلطوية مختطفة، تخدم مصالح خارجية أكثر مما تعبّر عن إرادة شعبها. وفي مقدمة هذه المصالح، تقف المصالح المصرية بوصفها مركز الثقل الذي تدور في فلكه هذه “المؤسسات”.

إن تمسّك مصر بما تسميه حماية مؤسسات الدولة السودانية ليس موقفًا أخلاقيًا أو مبدئيًا، بل دليل دامغ على أن هذه المؤسسات، في بنيتها الحالية، مرتهنة للقاهرة، وتعكس إرادة نخب سودانية اختارت أن تبيع الوطن مقابل البقاء في السلطة. فالدولة التي تتدخل بهذا القدر من السافرة في الشأن السوداني، وتعمل بلا مواربة على تعطيل أي مسار مدني ديمقراطي، لا يمكن أن تُفهم إلا بوصفها امتدادًا لمنطق الوصاية الاستعمارية، وإن تبدلت الأدوات والواجهات.

منذ عقود، تنظر مصر إلى السودان لا كدولة مستقلة ذات سيادة، بل كحيز جغرافي يجب ضبطه بما يخدم أمنها المائي والسياسي. ولهذا لم يكن غريبًا أن تجد القاهرة في المؤسسة العسكرية السودانية، بعد اختطافها أيديولوجيًا وتنظيميًا، الشريك المثالي. جيش بلا مساءلة، منغلق على نخبة محدودة، مستعد للتضحية بالمصلحة الوطنية مقابل الدعم الخارجي، هو أفضل ما يمكن أن تراهن عليه دولة تبحث عن النفوذ لا عن الاستقرار.

هذه المؤسسات التي تتحدث عنها مصر، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، ليست مؤسسات وطنية بالمعنى الحديث، بل هياكل أعيد تشكيلها منذ انقلاب 1989 لتكون أدوات طيّعة في يد الحركة الإسلامية، ثم في يد تحالف أوسع من الأوليغارشية العسكرية والاقتصادية. وقد قبلت هذه النخب، عن وعي كامل، أن تؤدي دور الوكيل المحلي لمصالح القاهرة، سواء في ملف مياه النيل، أو في تسهيل الاستحواذ على الأراضي الزراعية، أو في تأمين عمق استراتيجي يخدم النظام المصري دون اعتبار لمعاناة السودانيين.

إن الإصرار المصري على بقاء هذه  المؤسسات دون إصلاح أو تفكيك، يكشف حقيقة جوهرية: أي إصلاح حقيقي، أو إعادة هيكلة جادة، ستفضي بالضرورة إلى خروج السودان من دائرة النفوذ المصري. فمؤسسة عسكرية مهنية، خاضعة لسلطة مدنية، ومعبرة عن تنوع المجتمع، لن تقبل أن تكون أداة في صراع لا يخدمها، ولن تفرّط في موارد البلاد، ولن تصطف تلقائيًا خلف الرؤية المصرية في كل الملفات المصيرية.

هنا تتبدى خطورة الدور المصري. فهو لا يقف ضد التحول الديمقراطي في السودان فحسب، بل يعمل بنشاط مع الدولة العنصرية القديمة، ومع شبكات المصالح والامتيازات، ضد شعوب الهامش التي دفعت الثمن الأكبر من التهميش والحروب. دعم القاهرة لبقاء هذه المؤسسات هو دعم مباشر لاستمرار الظلم البنيوي، ولتكريس دولة أقلية تحكم الأغلبية بالقوة، وتمنع إعادة توزيع السلطة والثروة على أسس عادلة.

والأكثر دلالة أن مصر، رغم إعلانها دعم المبادرات الدولية التي تتحدث عن إصلاح أمني وعسكري، تعمل عمليًا على إفراغ هذه المبادرات من مضمونها. فهي تناور بالخطاب الدبلوماسي، لكنها تتحرك على الأرض لضمان بقاء الوضع كما هو، لأن أي تغيير حقيقي يهدد شبكة المصالح التي نسجتها مع وكلائها في الخرطوم. وهذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا باعتبار أن القاهرة لا ترى في السودان شعبًا ذا حقوق، بل ساحة نفوذ يجب التحكم فيها بأي ثمن.

لقد أثبتت التجربة، مرة بعد أخرى، أن سوء الظن بمصر ليس مبالغة ولا شططًا في التوصيف. فالدولة التي تجاوزت كل الخطوط في تدخلها، وتآمرت باستمرار ضد تطلعات السودانيين في الحرية والسلام، لا يُرتجى منها خير. بل يمكن القول، دون مواربة، إنها مثّلت ولا تزال تمثل شرًا مستطيرًا في التاريخ السياسي الحديث للسودان، لأنها اختارت الاصطفاف الدائم مع القمع، وضد الشعوب.

إن الحديث عن “صون المؤسسات” في هذا السياق، ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج الاستعمار بأدوات محلية. مؤسسات بلا شرعية شعبية، ونخب باعت البلاد، ودولة إقليمية ترى في ذلك فرصة ذهبية لإدامة هيمنتها. والمخرج من هذا المأزق لا يكون بمسايرة هذا الخطاب، بل بتفكيكه، وكشف جوهره، وبناء مؤسسات جديدة تعبّر عن السودانيين، لا عن وكلاء الخارج.

فالسودان لن ينهض إلا حين يتحرر من ارتهان مؤسساته، ويستعيد قراره الوطني، ويكسر هذه الحلقة الخبيثة التي ربطته بدولة لا ترى فيه إلا تابعًا. وما دون ذلك، ليس سوى استمرار لدورة القهر، مهما تغيّرت الشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!