رأي

ترامب وحيل البرهان أمام الهيبة الأميركية 

مها طبيق

 

 مها طبيق 

دون عناء ولا تمويه ، يمكن القول إن دونالد ترامب لا يؤمن بالحلول الناقصة ولا بالصفقات التي تُبقي الخصوم داخل المشهد . في تجربته السياسية ، الهيبة تعني عنده أصلًا استراتيجيًا ، وأي مساس بها يُقرأ بوصفه تحديًا مباشرًا يستوجب الرد . لذلك ، لا تتحرك السياسة الخارجية في عهد ترامب بمنطق الاحتواء طويل الأمد ، بل بمنطق الحسم وإعادة الضبط السريع .

من هذا المنظور ، تبدو معادلة العلاقة بين واشنطن والجنرال عبد الفتاح البرهان معقّدة ، وعالية المخاطر عليه شخصيًا . فالجنرال الذي اختار كسر خارطة الطريق الرباعية ، وأعلن تحديه العلني لرغبة أمريكية واضحة في إنهاء الحرب في السودان ، لم يعد يُنظر إليه بوصفه “ شريكًا متعثرًا ” أو “ حليفًا صعب المراس” ، وإنما كعقبة بنيوية أمام مشروع الاستقرار الإقليمي .

في منطق ترامب ، لا يُسمح للأنظمة الهشّة بإحراج القوة الراعية على المسرح الدولي . فالتراجع أمام جنرال يقود دولة غارقة في الحرب والانهيار يُقرأ ضعفًا ، وترامب لا يتسامح مع هذه الصورة . هنا يتحول البرهان من لاعب يحاول كسب الوقت ، إلى هدف محتمل في عملية إعادة ترتيب إقليمي باتت شديدة الحساسية ، خصوصًا على امتداد البحر الأحمر ، من القرن الإفريقي إلى جنوب اليمن .

تصريح نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ، تومي بيغوت ، حول “ القلق البالغ ” من خطاب البرهان في تركيا ، يجب ألا ينظر إليه بيانًا دبلوماسيًا عابرًا . صحيح أن لغته جاءت مغلّفة بمفردات إنسانية ، لكن مضمونه كان سياسيًا بامتياز . الرسالة الأساسية واضحة لا لبس فيها : واشنطن ترى أن السودان يقف عند لحظة حرجة لا تحتمل المناورات الخطابية ولا التلاعب بالمواقف . البرهان الذي حاول اللعب على جميع الحبال—من بورتسودان إلى إسطنبول ، ومن الرياض إلى القاهرة — قد لا يكون انتبه بعد إلى أن هذه الحبال نفسها بدأت تتحول إلى شِراك . فالدعم الصامت أخطر من الخصومة العلنية ، وسحب الغطاء لا يتم بضربة واحدة ، ولكنها يتم عبر خطوات محسوبة تنتهي بعزلة كاملة وإضعاف ممنهج وتنتهي بضربة قاضية .

السؤال الحاسم وبعيدا عن قدرة البرهان على الصمود العسكري ، هو هل يستطيع البرهان قراءة التحولات في المزاج الدولي ، وعلى رأسها المزاج الأمريكي ؟ . ماذا لو بات يُنظر إليه بوصفه أصل الأزمة لا مفتاح حلها ؟ وماذا لو خلصت واشنطن إلى أن كلفة بقائه أعلى من كلفة إزاحته ؟ . في هذه الحالة ، لن يأتي “الحل” عبر مفاوضات طويلة أو وساطات رمادية ، ولكن يأتي الحل على الطريقة الترامبية المعهودة : قرار مفاجئ ، وضغط مكثف ، وإعادة إنتاج للمشهد دون اعتبار لحسابات الجنرال أو رهاناته القديمة .

البرهان اليوم في اختبار أخير حيث المجال السياسي من حوله يضيق ، والخرائط التي يحدّق فيها لم تعد ثابتة ، فيما الهيبة الأمريكية—خصوصًا في عهد ترامب—لا تترك حساباتها مفتوحة مع أنظمة ضعيفة تتوهم القدرة على المناورة بلا ثمن . لذلك لم يتبقَّ سوى لحظة قرار واحدة هي إما إعادة التموضع قبل اكتمال الدائرة ، أو الخروج من اللعبة حين تُستدار الطاولة بالكامل . خاصة أن في عالم ترامب ، النعومة ليست سياسة ، والتأخير عن مائدة القرار يعتبر خطأ لا يُغتفر .

مها الهادي طبيق

30 ديسمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!