
الزين موسي بشير
في لحظة سودانية مثقلة بالدمار والخذلان، حيث تآكلت الثقة في النخب وتوحّش منطق السلاح، يجيء إعلان تأسيس حركة السودان المدني (حسم) بوصفه حدثاً سياسياً لافتاً، لا بسبب شعاراته فحسب، بل لطبيعة الرؤية التي يحملها واللغة الجديدة التي يخاطب بها المجتمع والدولة معاً. إن بيان حسم التأسيسي لا يكتفي بإدانة الماضي، بل يطرح مشروعاً بديلاً يعيد تعريف السياسة نفسها بوصفها فعلاً مجتمعياً قاعدياً، لا صفقة نخبوية ولا تسوية فوقية.
أهمية حركة حسم تنبع أولاً من وضوح انحيازها. فالبيان لا يوارب في الوقوف إلى جانب الشعب ضد دولة العنف والوصاية، ولا يساوي بين الضحية وجلادها، بل يسمّي الأشياء بأسمائها: فشل دولة العسكر وتحالف المال والسلاح، وعجز النموذج المركزي عن إنتاج السلام أو العدالة أو الاستقرار. هذا الوضوح السياسي، في زمن الالتباس والحياد المزيّف، يُحسب للحركة ويضعها في موقع أخلاقي متقدم ضمن خارطة القوى المدنية الناشئة.
ثانياً، يلفت بيان حسم النظر بتركيزه الجاد على الفدرالية العادلة لا كشعار للاستهلاك، بل كمدخل بنيوي لإعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة. فالحركة تربط بين إنهاء الحرب وبين تفكيك المركزية الموروثة، وتؤكد أن إدارة الأقاليم بإرادة أهلها وتوزيع السلطة والثروة بعدالة ليست مطالب جهوية، بل شروط أساسية لوحدة السودان واستقراره. في هذا المعنى، يتجاوز خطاب حسم الكثير من الأدبيات المدنية التقليدية التي اكتفت بترديد شعار “المدنية” دون الغوص في سؤال شكل الدولة.
كما يحسب للبيان التأسيسي أنه أعاد الاعتبار لدور التنظيم المدني القاعدي بوصفه أداة التغيير الحقيقية. فحسم لا تراهن على النخب وحدها، ولا تنتظر التحولات من غرف التفاوض المغلقة، بل تضع الأحياء والقرى والمعسكرات والجامعات ومواقع العمل في قلب الفعل السياسي. هذا الرهان على المجتمع المنظَّم، وعلى أدوات الضغط السلمي وبناء الوعي، يعكس دروساً مستخلصة من إخفاقات المرحلة الانتقالية السابقة، حيث غاب الميزان المدني القادر على حماية التحول الديمقراطي.
ويُعد إدراج العدالة التاريخية وعدم الإفلات من العقاب في صميم المشروع الوطني من أقوى ما ورد في البيان. فالحركة تدرك أن أي سلام يتجاوز حقوق الضحايا هو سلام هش، وأن طي صفحة الحروب لا يتم بالنسيان، بل بالمحاسبة والإنصاف وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لسلم اجتماعي مستدام.
أخيراً، فإن التزام حسم بقيادة شبابية ونسوية حقيقية، وهيكل تنظيمي فدرالي قاعدي، يمنحها فرصة فعلية لأن تكون تعبيراً عن تحولات اجتماعية عميقة، لا مجرد كيان سياسي إضافي. إن حركة السودان المدني (حسم) تقدّم نفسها اليوم كإحدى أهم القوى السياسية التي تخلّقت من رحم الأزمة، لا لتديرها، بل لتتجاوزها. وإذا ما نجحت في ترجمة بيانها التأسيسي إلى ممارسة تنظيمية واعية، فإنها قد تسهم بجدية في حسم الطريق نحو دولة مدنية ديمقراطية، تستعيد السلطة للشعب وتعيد للسودان معناه المفقود.




