
سمية النور دهب.. دبلن
يعيش السودان في هذه الفترة مرحلة حرجة من تاريخها الحديث، مع تصاعد الانقسامات بين المسارات المختلفة التي تتنافس على مستقبل البلاد. الأزمة السياسية الحالية لم تعد مجرد خلافات إدارية أو نزاعات مؤسسية، بل تحولت إلى صراع واسع يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في جميع أنحاء البلاد.
الوضع الراهن يعكس مواجهة بين خيارين متباينين: الأول يعتمد على الحل العسكري كوسيلة لإعادة فرض السيطرة، والثاني يدعو إلى التفاوض الفوري وغير المشروط لوقف الانهيار المستمر. استمرار الحرب العسكرية أدى إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية وتآكل التماسك الوطني، فيما تعكس الدعوات للتفاوض رغبة متنامية لدى القوى المدنية في حماية وحدة البلاد واستعادة قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية.
الأزمة لم تقتصر على السياسة الداخلية، بل تجاوزت ذلك لتصبح قضية محورية في المحافل الدولية، حيث يتحدث الآخرون عن مستقبل السودان بينما تقل قدرة البلاد نفسها على التأثير في القرارات المصيرية. استنزاف الموارد الوطنية في تمويل العمليات العسكرية يفاقم الأزمة الاقتصادية، ويزيد من ضعف الخدمات الأساسية، ويعمّق شعور المواطن بعدم الأمان والقدرة على العيش الكريم.
أحد أبرز انعكاسات استمرار النهج العسكري هو الانتشار الواسع للسلاح وتكاثر الجماعات المسلحة، ما جعل من تشكيل جيش وطني موحد مهمة شبه مستحيلة. هذا الواقع الأمني الهش دفع أعداداً كبيرة من المدنيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، بحثاً عن ملاذ آمن، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى الأزمة الإنسانية.
في الوقت ذاته، هناك إدراك متزايد لدى القوى المدنية بأن استمرار الرهان على القوة لن يؤدي إلا إلى تمديد فترة الأزمة وزيادة معاناة المدنيين. إنهاء الصراع يتطلب تحركاً سريعاً من جميع الأطراف لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات بجدية، بعيداً عن أي شروط مسبقة تعرقل الوصول إلى حل مستدام.
السيناريوهات الحالية تجعل السودان أمام طريقين واضحين: الأول يقود إلى تسوية سياسية مدروسة تسمح بوقف الانهيار وفتح المجال أمام إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، والثاني يعتمد على استمرار الصراع المسلح، ما يهدد بتوسيع دائرة الانقسامات وتعميق الأزمة الإنسانية إلى أجل غير محدد.
الوضع الراهن يتطلب تحركاً فاعلاً ومسؤولاً من جميع الأطراف المعنية، لضمان أن يكون الحل السياسي هو الخيار الأساسي، ولمنع البلاد من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى. الطريق إلى السلام لا يمر عبر العنف، بل عبر الحوار الجاد، والمفاوضات الحقيقية، ووضع مصالح المواطنين في المقام الأول.
في نهاية المطاف، السودان يقف على مفترق طرق تاريخي، يحتاج فيه المواطنون إلى رؤية واضحة وقيادة قادرة على حماية وحدة الدولة، وضمان حياة كريمة، وفتح آفاق جديدة لإعادة البناء والاستقرار. الخيار أمام الأطراف المختلفة ليس خياراً عادياً، بل قرار مصيري سيحدد مستقبل البلاد لعقود مقبلة.




