
د.احمد التجاني سيد أحمد
لم يكن عام ٢٠٢٥ مجرد عام للإحباط، بل كان عام كشف المستور وفضح الوهم الذي ظل يحيط بالسودان لعقود. الدولة التي نعرفها لم تكن قائمة بمعناها الحقيقي، والنخب التي تدّعي القيادة بلا مشروع، والحرب مستمرة بلا أفق سياسي، كل ذلك جعل العام يمر بلا خاتمة، وكأنه فصل مفتوح في مسار طويل من تعطيل التأسيس.
ومع دخول العام الجديد ٢٠٢٦، يظل السودان خارج الزمن الطبيعي للأمم. لم يعد هناك ما يُسمّى بداية أو فرصة جديدة. الخرائط لم تستقر، السلطة لم تُعاد صياغتها، والمؤسسات لم تنضج. ما تغيّر فقط هو مستوى الوضوح؛ فالخراب أصبح أكثر تحديدًا، والفراغ أكثر فجاجة، والكذب أقل قدرة على التنكّر. كل عام يمر، يعيد إنتاج الفشل ذاته، لأن البنية السياسية والاجتماعية القائمة لا تمتلك آليات إصلاح حقيقية.
المشكلة ليست في تبدّل السنوات، بل في طبيعة النظام الذي يعيد إنتاج الفشل كلما تبدّل التقويم. من يعلق خلاصه على العام الجديد، يهرب في الواقع من الأسئلة الحقيقية: من يملك الدولة؟ من يملك القوة؟ من يضبطها؟ وما هي قواعد اللعبة السياسية التي تحكم توزيع النفوذ والسلطة؟ هذه الأسئلة لا تُجاب بسنة جديدة، بل تحتاج إلى تأسيس جديد، وإرادة صادقة، ومشروع واضح للدولة والمجتمع.
الواقع السوداني يظهر دائرة مغلقة، الزمن فيها لا يمر بطريقة متسلسلة تؤدي إلى التقدم أو الاستقرار، بل يعيد إنتاج الأزمات نفسها بلا توقف. الاقتصاد هش، المؤسسات عاجزة، الأمن مفكك، والمجتمع متأرجح بين الوعود المعلّقة والفشل المستمر للنخب السياسية. هذه الدائرة تجعل أي عام جديد مجرد رقم، لا يحمل أي تأثير على الواقع اليومي للمواطن.
هذا المقال لا يَعِد، ولا يبشّر، ولا يواسي. هو محاولة لوضع الأصبع على جرح التأسيس المؤجل، لفهم لماذا يتحول الزمن في السودان إلى حلقة مفرغة من الفشل والإحباط، وكيف أن الأعوام الجديدة لا تغير شيئًا ما لم تتغير البنية السياسية نفسها، وما لم تُستعاد الدولة بمعناها الحقيقي، وما لم تُحسم القوة لصالح الشعب لا لصالح النخب المهيمنة.
السودان بحاجة إلى أكثر من بداية عام جديد؛ يحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقي، إلى إرادة وطنية صادقة، وإلى مشروع واضح للدولة والمجتمع، قبل أن يصبح الزمن مجرد تقويم بلا معنى، ووعود بلا أثر على حياة الناس.




