
إيمان التجاني
لم تعد الهجمات الجوية التي تشهدها ولايات غرب كردفان ودارفور أحداثًا عابرة يمكن وضعها في خانة «أضرار جانبية» للحرب، بل باتت مؤشرًا واضحًا على نهج عسكري ممنهج يدفع بالمدنيين إلى واجهة الاستهداف، ويحوّل الفضاء الجوي إلى أداة رعب يومي في حياة مجتمعات أنهكتها سنوات الصراع.
الهجمات الأخيرة التي نُفذت بطائرات مسيّرة كشفت حجم التصعيد واتساع دائرة الخسائر، حيث طالت أسواقًا وأحياءً سكنية ومرافق مدنية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وتدمير بنى أساسية يعتمد عليها السكان في معاشهم اليومي. إن استهداف الأسواق، تحديدًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن كونه ضربًا مباشرًا لشريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ورسالة قاسية للسكان بأن لا مكان آمنًا لهم، حتى في أكثر المساحات مدنية.
في غرب كردفان، ترافقت الضربات الجوية مع شلل شبه كامل للحياة العامة. توقفت المدارس، أغلقت المتاجر، وسادت حالة من الخوف الجماعي دفعت الآلاف إلى النزوح القسري. المأساة هنا لا تكمن فقط في أعداد الضحايا، بل في الواقع الإنساني المركّب الذي نشأ عن القصف: مناطق محدودة الموارد تستقبل عشرات الآلاف من النازحين، من دون بنية تحتية قادرة على توفير المأوى أو الغذاء أو الرعاية الصحية.
أما في دارفور، فقد أعادت الغارات الجوية إلى الواجهة ذاكرة دامية لم تُغلق صفحاتها بعد. قرى تُستهدف، ومدنيون يُقتلون داخل تجمعاتهم، في سياق يعمّق الإحساس بأن بعض المناطق وأهلها باتوا هدفًا مفتوحًا لقوة جوية لا تميّز بين مقاتل ومدني. هذا النمط من العنف يعزز القناعة بأن ما يجري ليس مجرد تجاوزات ميدانية، بل سياسة قائمة على العقاب الجماعي وإرهاب السكان المحليين.
اللافت أن هذه العمليات تأتي في وقت تشهد فيه الأوضاع الإنسانية تدهورًا غير مسبوق. الطرق مقطوعة، والمساعدات شحيحة، والمنظمات الإنسانية تحذر من مخاطر المجاعة وانعدام الأمن الغذائي. ومع ذلك، يستمر القصف الجوي وكأن معاناة المدنيين ليست جزءًا من حسابات القرار العسكري، أو كأنها وسيلة ضغط إضافية في معركة سياسية وعسكرية لا يد للسكان فيها.
إن أخطر ما في هذا المشهد هو الخلفية الأيديولوجية التي تقف وراءه. فاختطاف المؤسسة العسكرية من قبل جماعات الهوس الديني حوّل الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي المواطنين، إلى أداة عنف موجّه تُستخدم لتصفية حسابات سياسية وثقافية، وتغذية نزعات تقسيمية تهدد وحدة البلاد. هذا المسار يعيد إنتاج أخطاء الماضي، حين قاد العنف الممنهج والإقصاء إلى تمزيق السودان، وفتح الباب أمام الانفصال والحروب الطويلة.
القصف الجوي على المدنيين ليس فقط جريمة أخلاقية وقانونية، بل هو أيضًا إعلان فشل سياسي. فالدول لا تُبنى بالطائرات المسيّرة، ولا تُوحَّد الأوطان عبر ترويع مواطنيها. ما تحتاجه كردفان ودارفور، وما يحتاجه السودان بأكمله، هو وقف هذا النهج التدميري، والعودة إلى مسار يضع الإنسان في صدارة الأولويات، لا في مرمى النيران.




