
صهيل الخيل
د.عبدالمجيد أبو ماجدة
دولة السودان بلد ذو أهمية جيوسياسية وإستراتيجية بالغة تشكلت مكانته بفعل مساحته الشاسعة وموارده الطبيعية الوفيرة وموقعه الاستراتيجي الذي يضعه في قلب بعضٍ من أهم طرق التجارة والممرات المائية في العالم .
فعلى الرغم من عقود من عدم الاستقرار السياسي لا يزال السودان محور اهتمام القوى الإقليمية والدولية لما يتمتع به من موقع استراتيجي وإمكانات هائلة غير مستغلة . كما تكمن أهميته ليس فقط في الوقت الحاضر بل تمتد جذورها إلى الماضي لا سيما خلال الحقبة التي كان فيها جزءاً من الخلافة بحيث لعب دوراً محورياً في ربط البلاد الإسلامية وتعزيز وحدتها .
الملف السوداني أصبح نقطة اهتمام كبير للولايات المتحدة خاصة بعد التغييرات السياسية الأخيرة في السودان. إنّ أهمية السودان الجيو سياسية بالنسبة لأمريكا تتضمن عدة نقاط .
وهي بانّ السودان يقع في منطقة استراتيجية مهمة بحيث يربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا “الافرو عربي” ويطل على البحر الأحمر مما يجعله نقطة مهمة للتجارة العالمية والأمن الإقليمي .
كان السودان في الماضي ملاذاً آمناً للجماعات الارهابية ولكن في السنوات الأخيرة تعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب ايام حكومة المخلوع عمر حسن أحمد البشير مما يجعله شريكاً مهماُ في المنطقة .
إنّ السودان يمتلك موارد طبيعية هامة مثل النفط والذهب مما يجعله هدفاً للاستثمارات العالمية.
إنّ السودان يلعب دوراً مهماً في استقرار المنطقة بحيث يحدد مصير دول الجوار مثل جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وغيرها من دول الجوار السوداني .
إنّ التوترات الدولية في الملف السوداني بين روسيا والصين و الولايات المتحدة ترى الولايات المتحدة الأمريكية بأنّ السودان تحول الي منطقة تنافس دولي مع روسيا والصين بحيث تسعى هذه الدول لتعزيز نفوذها في السودان .
إنّ هذه الأهمية الجيو سياسية للسودان تجعل الولايات المتحدة تهتم بالملف السوداني وتسعى جاهدة لتعزيز استقراره وأمنه
كما يُعد الموقع الجغرافي للسودان من أعظم أصوله الاستراتيجية فهو يقع في شمال شرق أفريقيا وتحدّه سبع دول هي :
“مصر، ليبيا، تشاد، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان، إثيوبيا، وإريتريا” وهذا يجعل من السودان بوصلة وحلقة وصل مركزية بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء .
كما يتمتع السودان بساحل مهم على البحر الأحمر يقابله مباشرة شبه الجزيرة العربية ويقع بالقرب من مضيق باب “المندب” أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم .
ويربط مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب مما يجعله ممراً حيوياً للتجارة الدولية وشحنات النفط .
إذ يمر عبر هذا الممر الضيق نحو “10%” من النفط المنقول بحراً الي العالم . ويُضفي قرب السودان من هذا الممر أهمية استراتيجية كبيرة بحيث يجعله موقعاً مرغوباً للقوى العالمية الساعية لتعزيز نفوذها على طرق الملاحة البحرية واللوجستيات البحرية .
فمن خلال السيطرة على السودان أو إقامة تحالف معه يمكن تحقيق نفوذ كبير في إدارة أمن البحر الأحمر وتدفق التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة الامريكية .
إنّ السودان يتمتع بثروات طبيعية هائلة تُعزز من قيمته “الجيوسياسية” وبشكل كبير فهو يُعد من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا وتضم ثرواته المعدنية كلاً من “الكروم، والمنغنيز ، والزنك ، وخام الحديد واليورانيوم” وعلى الرغم من انفصال جنوب السودان في عام 2011م والذي استحوذ على جزء كبير من حقول النفط لا يزال السودان يحتفظ باحتياطات كبيرة من النفط والغاز لا سيما في المناطق الشرقية وعلى طول الحدود.
بالإضافة إلى ذلك يمتلك السودان مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ويحتضن نهري النيل الأزرق والأبيض ما يمنحه إمكانات هائلة في مجال الزراعة وإنتاج الغذاء .
وقد اعتُبر السودان منذ زمن بعيد مرشحاً ليكون “سلة غذاء” لأفريقيا والعالم العربي ومع توفر البنية التحتية المناسبة والحكم الرشيد يمكن للسودان أن يؤدي دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي في المنطقة.
تتجاوز الأهمية الاستراتيجية للسودان حدود الجغرافيا والثروات لتشمل تأثيره الأوسع في الساحتين الأفريقية والعربية. فهو يشكل جسراً ثقافياً واقتصادياً بين شمال أفريقيا العربي والمناطق ذات الأغلبية المسلمة في أفريقيا جنوب الصحراء ويجعل هذا الموقع من السودان لاعباً أساسياً في الدبلوماسية الإقليمية والامن الاقليمي وفي المشاريع الكبرى الرامية إلى التكامل الاقتصادي أو الوحدة السياسية .
إنّ القوى العالمية مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وكذلك الدول الإقليمية الفاعلة كدول الخليج وتركيا قد ابدت اهتماماً كبيراً بالسودان سواء من خلال التعاون العسكري أو الاستثمارات الاقتصادية أو التحالفات السياسية . ويشهد ممر البحر الأحمر تزايداً في الطابع العسكري وغالباً ما يكون السودان في قلب هذا التنافس إذ توفّر موانئه وأجواؤه وأراضيه فرصاً استراتيجية لبسط النفوذ خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية وتراجع الهيمنة الغربية في بعض المناطق .
إنّ حرب الخامس عشر من أبريل 2023م بين الجيش وقوات الدعم السريع قد خلف واقعاً إنسانياً مرعباً أدى إلى لجوء ملايين السودانيين ومثلهم نازحين داخليين .
هذه الأزمة الانسانية في السودان وصفتها منظمات اممية ودول بأنها اسواء كارثة إنسانية في هذا القرن .
نجد بانّ الملف السوداني اصبح متداولاً في وكالات الانباء العالمية وفي مكاتب واضابير المسؤولين الدوليين وخاصة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر مبعوثه مسعد بولس واللجنة الرباعية التي تتكون من “السعودية ، الإمارات، مصر ، امريكا” .
إنّ في هذه الايام يشاهد المراقبين للشأن السوداني بالشلل التام والجمود الذي اصاب هذه الرباعية وعجزها البائن في اتخاذ خطوات من شأنها ان يلتزم الطرفين المتحاربين بالهدنة الإنسانية .
ففي خضم هذا الواقع المرير الذي يعيشه الشعب السوداني برزت تصريحات للرئيس الامريكي دونالد ترامب قال فيها “أنه تولى ملف السودان بنفسه” فهل يفرض ترامب السلام بالقوة في السودان على الرغم من مراوغة الجنرال البرهان الذي يصرح دائماً بانه لا تفاوض ولا سلام مع المليشيا ويقصد هنا بالمليشيا “قوات الدعم السريع” .




