رأي

النور حمد: المثقف الموسوعي الذي انحاز إلى ضميره

عباس احمد السخي 

عباس احمد السخي 

منذ سنوات وأنا أتتبع ما يخطّه يراع الدكتور النور حمد، وأتذوق نصوصه الفكرية بشغفٍ لا يفتر. وعندما يطلّ علينا النور بكتابٍ أو مقال، فإن أول ما يلامس الوجدان هو عبق النزاهة، وشذى الكبرياء المعرفي، وأريج الصدق مع الذات. تلامس في كلماته تلك المقولة الخالدة: “كن صادقًا مع نفسك، تكن صادقًا مع العالم.” لقد اختطّ النور حمد لنفسه طريقًا فريدًا لا يشبه سوى ذاته، مثقف موسوعي الطابع، إنساني النزعة، وطني الهوى، لا يخشى قول الحق، ولا يلين في مواجهة الظلم، ولا يهادن طغيانًا مهما تلون أو تبدّل لباسه.

في خضمّ معمعان القضايا الوطنية الكبرى، كان للدكتور النور حمد صوتٌ متزنٌ وجريء في آنٍ واحد. لم يجرفه تيار الشعارات الجوفاء، ولا أغرته المنصات السياسية الزائفة، بل ظلّ ثابتًا على المبدأ، يسلّ سيف الكلمة من غمد الضمير، ويكتب بعين الناقد ومهجة العاشق لوطنه، المنكوب بأبنائه قبل أعدائه. ومن بين القضايا التي عالجها بجرأة وشجاعة فكرية فائقة، كانت علاقة السودان بمصر الرسمية، حيث لم يقف الرجل عند حدود العاطفة الزائفة ولا الانجرار خلف أوهام “الوحدة الأزلية”، بل مضى يقدم مادةً تحليلية عميقة، تُثبت كيف أن العقل السياسي المصري، من الخديوية وحتى اليوم، ينظر إلى السودان كمجالٍ تابع وليس كدولةٍ ند، ففكرة “الحديقة الخلفية” التي تختزنها المخيلة المصرية عن السودان، تمثل الجذر المُرّ لتشوه العلاقة بين البلدين، وهي رؤية استعمارية في جوهرها، لا تزال تلوّن السياسات والمواقف حتى بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال.

وإذا أردنا الحديث عن الشجاعة الفكرية في صورتها الأصفى، فلا بد أن نتوقف عند موقف النور حمد من جماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي يعتبرها مشوهة دينيًا وأخلاقيًا ونفسيًا، وان مشروعها ليس فقط سياسيًا فاشلًا، بل مفرخة مستدامة لأجيال مشوهة الوجدان والمعرفة والدين. كما يرى النور أن مشروع الإخوان في السودان نجح للأسف في غرس ثلاثة أجيال تعرّض وجدانها لـ”مسخ متكامل”، عبر سياسات تعليمية ومجتمعية ممنهجة، هدفت إلى تكريس التبعية والخنوع والازدواجية الأخلاقية، ولم يكتفِ الرجل بالتشخيص، بل مضى إلى التحليل التاريخي والسياسي، ليبيّن كيف تحولت الجماعة إلى خطر داهم على السودان، بل وعلى العالم كله. فقد أصبحت اليوم مصنّفة إرهابية في عددٍ من الدول مثل مصر والسعودية والإمارات والجزائر والأردن، وهناك مساعٍ متقدمة لتصنيفها جماعة إرهابية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. النور حمد لا يساير المزاج العام، بل يسير في خطٍ نقدي واضح ضد كل مشروعٍ يقمع الإنسان ويشوه القيم ويختطف الدين.

وفي زمنٍ اختلطت فيه المواقف وتورّط فيه بعض “المثقفين” في تبرير الفظائع، كان للدكتور النور حمد موقف وطني وإنساني متماسك من الحرب التي أشعلها الإخوان في السودان. رفض منذ اليوم الاول توصيف الحرب على أنها “حرب كرامة”، كما ادّعت منظومة الإخوان وحلفاؤها، وقال بوضوح إن ما حدث هو محاولة يائسة للانتقام من ثوار ديسمبر، أولئك الذين قذفوا بالنظام إلى مزبلة التاريخ. كما عبّر النور حمد عن وجدان السوداني السليم، حين انحاز لخيار السلام، ورفض منطق الحرب كأداة لتسوية الخلافات، داعيا إلى الاعتراف بأسباب الحرب الجوهرية، لا دفنها تحت ركام الدعاية المضللة، كما فعل بعض المثقفين ممن انحازوا جوقة الاخوان وتحليلها لأسباب الحرب، وأكد النور في ذات الوقت أن لجوء الاخوان إلى السلاح لم يكن إلا محاولة بائسة لإخضاع الثورة وتركيعها، بعد أن فضحت خياناتهم وأسقطت أقنعتهم في ميادين الشرف والنور.

كذلك، إن ما يميز الدكتور النور حمد ليس غزارة المعرفة فحسب، بل صفاء الضمير، واستقامة الموقف، والاتساق النادر بين الفكر والسلوك. في زمن اختلطت فيه المعايير، وتاجر فيه البعض بقضايا الوطن، بقي النور حمد كالشعلة النقية في دروب التيه، يذكّرنا بأن المثقف الحقيقي هو من يرفض أن يكون بوقًا للسلطة أو شريكًا في الخديعة. فحيا الله النور حمد، المثقف الحر، المفكر الإنساني، السوداني المجبول على الكرامة والصدق. والخزي والعار لأولئك “المثقفين” الذين باعوا أقلامهم، وصمتوا عن المذبحة، بل زينوا للقتلة أفعالهم.

ففي أمثال النور، ينجلي نور الوطن. وفي أمثالهم، تُكتب فصول الخلاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!