لماذا يُعدّ التعليم الإلكتروني في جامعات حكومة تأسيس ضرورة لا تحتمل التأجيل؟
د. موسى الإمين حمودة

د. موسى الإمين حمودة
في ظل الأزمة المركّبة التي تعيشها السودان، أصبح التعليم الجامعي واحدًا من أكثر القطاعات تضررًا واستهدافًا. فقد أدّت الحرب إلى خروج عدد كبير من الجامعات عن الخدمة، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، حيث تعرّضت البنية التحتية الجامعية للتدمير، ونُهبت الممتلكات والأصول، وتشتّت الأساتذة والطلاب على حدّ سواء. ونتيجة لذلك، تراكمت الدفعات الدراسية، وتوقّف عشرات الآلاف من الطلاب عن مواصلة تعليمهم، ما ينذر بكارثة معرفية واجتماعية طويلة الأمد.
في هذا السياق، يبرز التعليم الإلكتروني في الجامعات الواقعة تحت سيطرة حكومة تأسيس بوصفه الخيار الواقعي والآمن الوحيد في هذه المرحلة. فهو ليس حلًا إسعافيًا مؤقتًا، ولا بديلًا ناقصًا عن التعليم التقليدي، بل ضرورة وطنية تفرضها ظروف الحرب وانهيار البنية التعليمية في مساحات واسعة من البلاد. التعليم الإلكتروني يتيح استمرارية العملية التعليمية بعيدًا عن مخاطر الاستهداف، ويكسر قيود الجغرافيا، ويمنح الطلاب، خاصة النازحين منهم، فرصة عادلة لمواصلة تعليمهم أينما وجدوا.
كما أن اعتماد هذا النمط من التعليم يقدّم حلًا مباشرًا لمشكلة تراكُم الدفعات، إذ يمكن للجامعات تنظيم برامج دراسية مرنة، وجدولة المقررات والامتحانات بما يستوعب الأعداد الكبيرة من الطلاب الذين تعطّل مسارهم الأكاديمي لسنوات. وهو ما يخفّف الضغط المستقبلي على الجامعات، ويمنع انفجار الأزمة التعليمية بصورة أكبر في حال عودة التعليم الحضوري لاحقًا.
ولكي يتحوّل التعليم الإلكتروني من فكرة مطروحة إلى مشروع قابل للتنفيذ، فإن الأمر يتطلّب اتخاذ خطوات عملية ومحددة، من بينها:
1. تكوين إدارات جامعية مؤقتة لكل الجامعات الواقعة تحت سيطرة حكومة تأسيس، تتولى الإشراف الأكاديمي والإداري، وتعمل بصلاحيات مرنة تضمن سرعة اتخاذ القرار واستمرارية العملية التعليمية بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية.
2. توفير وإجازة موازنات عاجلة لتغطية تكاليف التشغيل والتسيير، وتلبية المتطلبات اللوجستية الأساسية، لا سيما البنية الرقمية، وخدمات الإنترنت، والدعم الفني، بما يمكّن الجامعات من فتح أبوابها افتراضيًا في أسرع وقت ممكن.
3. تعزيز التنسيق والتواصل بين إدارات الجامعات للاستفادة المشتركة من الخبرات الأكاديمية، والمنصات التعليمية، والكوادر التدريسية، والمعامل، والأصول المتاحة، وتسخيرها بصورة تكاملية لسد فجوات النقص وتخفيف الأعباء عن كل جامعة على حدة.
غير أن نجاح هذا المسار مرهون بتوفّر إرادة سياسية واضحة، واعتراف رسمي بمخرجات التعليم الإلكتروني، حتى لا يتحوّل إلى مسار موازٍ بلا قيمة قانونية أو مهنية. فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، بل حق أساسي وأداة استراتيجية لحماية المجتمع من الانهيار طويل الأمد.
وفي المحصّلة، فإن إنقاذ التعليم الجامعي اليوم، ولا سيما في جامعات حكومة تأسيس، هو استثمار مباشر في مستقبل السودان. فالتعليم الإلكتروني يمثّل الفرصة الأخيرة لمنع ضياع جيل كامل من الشباب، وتحويل واقع الدمار والحرب إلى نقطة انطلاق نحو نموذج تعليمي أكثر مرونة وعدالة، قادر على الصمود ومواكبة الواقع مهما كانت قسوته.




