
مؤيد الأمين
يحلم المواطن السوداني البسيط بالسلام كما يحلم العطشان بالماء. حلمٌ طال انتظاره، وكلما ظن أنه اقترب، ازدادت المواجع وتراجع الأمل. سنوات الحرب أنهكت الناس، وجعلت أي بارقة أمل – ولو جاءت من الخارج – تبدو كخشبة خلاص. لكن ما يتكشف اليوم يؤكد أن السلام لا يُمنح، وأن الأوهام الخارجية غالبًا ما تكون أثقل كلفة من استمرار المعاناة نفسها.
حين صدرت تصريحات الرباعية الدولية، وتبعها حديث عن قرارات محتملة لإدارة ترامب، تنفّس كثيرون الصعداء. ظن المواطن الطيب أن الحرب توشك على نهايتها، وأن القوى الدولية قررت أخيرًا أن تنحاز للسلام في السودان. غير أن السؤال الذي تم تجاهله آنذاك: من هي هذه الرباعية؟ وهل تتحرك بدافع إنساني خالص؟ وهل السلام والديمقراطية والدولة المدنية هي فعلًا أولوياتها؟
بعض السياسيين والحالمين روّجوا لفكرة أن اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها بالسودان نابع من حرصهم على أمن البحر الأحمر، ومنع تمدد النفوذ الروسي والصيني، ومحاربة الإسلاموية باعتبارها مصدر تهديد أمني. وبُني على ذلك وهمٌ مفاده أن هذه القوى ستفرض سلامًا عادلًا وتفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية.
لكن الوقائع، كالعادة، جاءت أكثر قسوة من الأحلام. البيان الصادر عن مصر، على لسان وزير خارجيتها، كان كاشفًا. حين تعلن القاهرة دعمها للجيش بوصفه “الحكومة الشرعية”، يبرز السؤال الجوهري: أي شرعية هذه؟ أهي شرعية سلطة انقلبت على مسار انتقالي؟ أم شرعية حكومة تُدار من بورتسودان، بينما تستمر الحرب، ويُقتل المدنيون، وتُقمع الأصوات، ويُعاد تمكين الإسلامويين من جديد؟
الأكثر تناقضًا أن مصر، التي تحارب الإخوان المسلمين داخل حدودها بلا هوادة، ترى في السودان أن سلطة يتحكم فيها الإخوان المتأسلمون هي “الحكومة الشرعية”. هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا في إطار البراغماتية الصرفة: المصالح قبل المبادئ، والنفوذ قبل القيم، والأمن القومي كما تراه القاهرة قبل أي حديث عن حرية أو ديمقراطية للشعب السوداني.
هذا الموقف ليس معزولًا عن سياق أوسع. فدور مصر في المشهد السوداني لم يبدأ اليوم، بل يمتد منذ دعمها الضمني للانقلاب، وصولًا إلى إعلان دعمها الصريح لحكومة بورتسودان. السودان، في هذه المعادلة، يُنظر إليه كحديقة خلفية، ومجال نفوذ، ومصدر موارد، لا كدولة ذات سيادة وشعب يستحق تقرير مصيره.
أما الإخوان المتأسلمون، فخبرتهم الطويلة مع السلطة تجعلهم الشريك المثالي لأي قوة تبحث عن نظام مطيع. هم مستعدون لبيع كل شيء مقابل البقاء في الحكم، ولا يترددون في تقديم التنازلات السياسية والاقتصادية، ما دام ذلك يضمن عودتهم إلى السلطة ولو على أنقاض وطن.
كل هذا يؤكد حقيقة مؤلمة: لا أحد في الخارج يعمل من أجل حلم المواطن السوداني بالحرية والسلام والعدالة. القوى الدولية والإقليمية تتحرك وفق مصالحها، وتغيّر مواقفها متى ما اقتضت الضرورة. السلام، حين يأتي من الخارج، غالبًا ما يكون مشروطًا، ومفخخًا، ومصممًا لخدمة غير أهله.
لذلك، فإن انتظار السلام من الخارج ليس فقط وهمًا، بل خطرًا. الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الداخل: على وعي الناس، وتنظيمهم، وقدرتهم على فرض مشروع وطني مستقل. لا سلام يُفرض من العواصم البعيدة، ولا دولة مدنية تُهدى عبر البيانات الدولية.
لك الله يا وطن، ولك الله أيها المواطن المغلوب على أمره. لكن التاريخ علّمنا أن الأوطان لا تُنقذ إلا بأيدي أبنائها، وأن الحرية التي لا تُنتزع، لا تدوم.




