رأي

حين تتحول الكراهية إلى سياسة… من الذي يطفئ حريق الوطن؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

ليس أخطر على السودان اليوم من اعتياد الكراهية، ولا أفتك من أن تتحول لغة الإقصاء والتحريض إلى خطاب يومي يُتداول بلا حرج، ويُبرَّر باسم الحرب أو الهوية أو “الضرورة”. فالكراهية حين تُطبع في الوعي الجمعي لا تعود مجرد رأي متطرف، بل تصبح أداة سياسية، وسلاحًا معنويًا لا يقل تدميرًا عن المدافع والطائرات.

الحروب تبدأ بالكلمات قبل أن تنتهي بالدم.

الكراهية في السياق السوداني ليست وليدة اللحظة، لكنها اليوم أكثر حضورًا وجرأة من أي وقت مضى. لقد خرجت من هامش الهمس إلى مركز الخطاب العام، وتغذت على الخوف، وعلى تعب الناس، وعلى الإحباط الناتج عن دولة فشلت في أن تكون مظلة جامعة. ومع استمرار الحرب، وجدت هذه اللغة بيئتها المثالية: عدو مُتخيَّل دائم، شيطنة جماعية، وتبسيط مخلّ لمعقد سوداني شديد التعقيد.

ما يجعل خطاب الكراهية بالغ الخطورة ليس فقط أنه يقسّم الناس، بل أنه يمنح مروّجيه شعورًا زائفًا بالانتصار. فهم يتوهمون أنهم يكسبون معركة الوعي، بينما هم في الحقيقة يوسّعون رقعة الخراب. فكل كلمة تحريض تُقال اليوم ستتحول غدًا إلى جدار نفسي يصعب هدمه، وإلى ذاكرة مشحونة تعيق أي محاولة للتعايش أو المصالحة.

الكراهية لا تهزم الخصم، بل تُفسد صاحبها أولًا.

وفي لحظات الانهيار الكبرى، تميل المجتمعات إلى البحث عن إجابات سهلة، والكراهية تقدم أسهل هذه الإجابات: تحميل الآخر كامل المسؤولية، وتبرئة الذات من أي فشل أو أخطاء. هكذا تتحول السياسة إلى انفعال، والفكر إلى شتيمة، والوطن إلى ساحة تصفية حسابات. وفي هذا المناخ، تزدهر أبواق الحرب، لأنها لا تعيش إلا في الفراغ الأخلاقي، ولا تقتات إلا على الانقسام.

الخطير أن خطاب الكراهية لا يعمل وحده؛ إنه يستدعي عنفًا موازيًا، ويبرر القسوة، ويُسَوّغ سحق المدن والقرى باسم الانتصار. وعندما تُربط الكراهية بالهوية أو بالدين أو بالوطنية الزائفة، يصبح الاعتراض عليها خيانة، والصمت عنها مشاركة غير مباشرة.

أخطر أنواع الكراهية تلك التي تتخفى في ثوب الفضيلة.

السودان بلد متعدد، وهذه ليست مشكلة بل حقيقة تاريخية. المشكلة تبدأ عندما يُدار هذا التعدد بمنطق الغلبة لا بمنطق الشراكة، وعندما تُستخدم الاختلافات كذخيرة في صراع السلطة. لقد أثبتت التجربة أن أي مشروع يُبنى على الإقصاء، حتى لو حقق تقدمًا مؤقتًا، سرعان ما ينهار تحت وزن تناقضاته. فالوطن لا يُبنى بجماعة واحدة، ولا يُنقذ بإلغاء الآخرين.

إن ما يربحه دعاة الكراهية اليوممن تصفيق أو نفوذ أو حضور إعلامي هو ربح مؤقت فوق أنقاض بلد يُستنزف. أما الخسارة فهي عامة: خسارة الثقة بين السودانيين، خسارة إمكانية الدولة، خسارة المستقبل نفسه

الوطن لا يُهزم دفعة واحدة، بل يُستنزف بالكراهية حتى يسقط.

الخيار ما يزال ممكنًا، لكنه يضيق. إما أن ينتبه السودانيون إلى أن استمرار هذا الخطاب يعني حربًا بلا نهاية، أو يقرروا أن إنقاذ الوطن يبدأ من استعادة اللغة، ومن كسر دائرة التحريض، ومن فضح أبواق الحرب مهما كان موقعها. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية ليعرف ألمه، بل إلى شجاعة أخلاقية تعترف بأن لا أحد سينجو وحده، وأن الخلاص الوحيد هو وطن يتسع للجميع… أو لا يكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!