
فاطمة لقاوة
لم يكن السجال المتداول بين الصحفي الطاهر ساتي وفارس النور حدثاً إستثنائياً في المشهد السوداني، فالساحة السياسية والإعلامية ظلت لعقود طويلة مسرحاً للخصومات الشخصية والمعارك الجانبية، غير أن أهمية هذا السِجال لا تكمن في تفاصيله أو في اللغة التي أُستخدمت فيه، وإنَّما في كونه أعاد إلى السطح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: لماذا ما زالت النخبة السودانية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني حقيقي رغم كل ما مرّ به السودان من حروب وإنقسامات وكوارث؟
لقد حاول فارس النور، في معرض دفاعه عن نفسه، أن يضع تجربته السياسية في سياق مقارنات مع شخصيات وطنية كبيرة، وعلى رأسها الإمام الصادق المهدي، غير أن المقارنة نفسها تكشف جانباً مهماً من أزمة السياسة السودانية؛ فالمشكلة لم تكن يوماً في إختلاف المواقع أو الأجيال، بل في النتائج التي أفضت إليها الممارسات السياسية.
الإمام الصادق المهدي، رغم مكانته الفكرية والثقافية الكبيرة، ورغم إسهاماته الفكرية التي لا يمكن إنكارها، ظل نموذجاً لقيادة سياسية فاشلة لم تستطع تحويل الرصيد الفكري إلى مشروع حكم قادر على حماية التجربة الديمقراطية في السودان، فقد جاءت به إرادة الشعب عبر صناديق الإقتراع مرات عديدة، لكن حكومته لم تمتلك الحزم الكافي لبناء مؤسسات قوية أو تحصين الديمقراطية من الإنقلابات المتكررة،و هكذا تحولت الديمقراطية إلى تجربة هشة سقطت أمام أول إختبار حقيقي- “الديمقراطية لا تعني الضعف،كما كان يفعل الصادق المهدي”،الديمقراطية تحتاج لقوة تحميها كما نشاهد دول العالم الكبرى التي تخوض حروب خارجية من أجل حماية ديمقراطيتها و مصالحها- وفي المقابل، يمثل فارس النور نموذجاً مختلفاً لكنه لا يبتعد كثيراً عن جوهر الأزمة نفسها،فهو ليس إبن مدرسة فكرية واضحة ولا صاحب مشروع سياسي متكامل، بل يبدو أقرب إلى نمط من السياسيين الذين يتقِنون التزحلق و التكيف مع التحولات أكثر من قدرتهم على صناعتها، فمن الإسلاميين إلى ساحات الإعتصام، ومن العمل الإستشاري إلى تأسيس الأجسام السياسية الجديدة، ومن ثم الهروب الى السعودية.
ظل الرجل حاضراً في المشهد دون أن ينجح في تقديم رؤية وطنية متماسكة تعالج جذور الأزمة السودانية، وهنا تكمن المفارقة؛ فبين فشل القيادات التقليدية في حماية الدولة، وفهلوة السياسيين الجدد في التكيف مع كل مرحلة، ظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر. ملايين النازحين واللاجئين، والإنهيار الإقتصادي، وتمزق النسيج الإجتماعي، كلها نتائج مباشرة لعقود من السياسات التي غلبت فيها المصالح الشخصية والحسابات الضيقة على متطلبات البناء الوطني.
رد فارس النور على الطاهر ساتي، بعيداً عن مضمونه التفصيلي، كشف جانباً من هذه الأزمة،فحين يواجه السياسي إختباراً حقيقياً، تظهر قدرته على إدارة الخلاف وإحترام الرأي الآخر،أما الإنزلاق نحو تصفية الحسابات الشخصية والردود الإنفعالية التي وجدناها، فإنه يكشف هشاشة الخطاب السياسي وغياب المشروع الذي يمكن أن يستند إليه صاحبه،فالقضية ليست في كسب جولة إعلامية أو تسجيل نقاط على الخصوم، وإنما في إمتلاك رؤية تقنع الناس بأن المستقبل سيكون أفضل.
لقد سئم السودانيون من إعادة تدوير الوجوه نفسها، سواء كانت ترتدي عباءة الأحزاب التقليدية أو ثوب النخب التي تحاول تلميع نفسها ولبس ثياب جديدة، فالمعيار اليوم لم يعد عدد المقابلات التلفزيونية، ولا حجم الحضور في وسائل التواصل الإجتماعي، ولا القدرة على المناورة بين المعسكرات المختلفة، وإنما القدرة على تقديم مشروع وطني صادق يضع مصلحة السودان فوق المصالح الفردية.
المعركة الحقيقية ليست بين الطاهر ساتي وفارس النور، ولا بين هذا التيار أو ذاك، بل بين عقلية سياسية قديمة أثبتت فشلها، وبين الحاجة الملحة إلى بناء قيادة جديدة تتسم بالوضوح والنزاهة والمسؤولية.
السودان الذي أنهكته الحروب لا يحتاج إلى مزيد من الإستعراضات السياسية، بل يحتاج إلى رجال ونساء دولة يمتلكون الشجاعة للإعتراف بالأخطاء والقدرة على صناعة المستقبل.
لهذا فإن السجال الأخير، مهما بدا للبعض مجرد خلاف عابر، يمثل في جوهره مرآة تعكس أزمة أعمق بكثير؛ أزمة نُخبة سياسية ظلت لعقود تدور حول نفسها بينما كانت البلاد تنزف،وعندما تسقط الأقنعة، لا يبقى أمام الشعب سوى أن يسأل سؤالاً واحداً: من الذي يملك مشروعاً حقيقياً لإنقاذ السودان، ومن الذي لا يزال يكتفي بالظهور على خشبة المسرح السياسي دون أن يقدم شيئاً سوى الكلام؟
ولنا عودة بإذن الله
الأحد،٢١يونيو/٢٠٢٦م




