رأي

ستة عقود من الحكم العسكري في السودان: جرد حساب الفشل وسؤال بناء الدولة الغائبة

م. هاشم طيار

 

م. هاشم طيار 

في مواجهة الذاكرة الوطنية السودانية، وبدافع جرد الحساب التاريخي الصادق، يبرز سؤال لا مفر منه: ماذا قدّمت الحكومات العسكرية للسودان خلال ستة عقود من الحكم؟

منذ استقلال السودان عام 1956، لم تحكم البلاد عبر مسار مدني ديمقراطي مستقر إلا لسنوات قليلة ومتقطعة. أما الغالب على تاريخ الدولة السودانية فهو حكم العسكر، الذي امتد لما يقارب ستة عقود، أي قبل ظهور قوات الدعم السريع بسنوات طويلة. ومن هنا تبرز ضرورة طرح السؤال بجرأة، بعيدًا عن التبرير أو تحميل المسؤولية لظواهر لاحقة: ما هي حصيلة هذا الحكم الطويل؟

أول ما يلفت النظر هو الفشل المزمن في بناء دولة وطنية حديثة. فبدل تأسيس مؤسسات مستقلة تقوم على سيادة القانون والفصل بين السلطات، جرى تسييس الجيش وتحويله إلى أداة للاستيلاء على السلطة وحمايتها. ومع كل انقلاب عسكري، كانت الدولة تضعف أكثر، وتُفرّغ الخدمة المدنية من مهنيتها، وتُدار البلاد بعقلية الطوارئ والأوامر، لا بعقلية التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة.

وعلى مستوى السلام والوحدة الوطنية، ارتبط الحكم العسكري بالحروب الأهلية المستمرة. اندلعت النزاعات في جنوب السودان منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، ثم تمددت لاحقًا إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان. هذه الحروب، التي سبقت ظهور قوات الدعم السريع بزمن طويل، خلّفت ملايين القتلى والنازحين، وعمّقت الإحساس بالتهميش والظلم، ورسّخت القطيعة بين الدولة وأطرافها، حتى باتت الدولة تُرى بوصفها خصمًا لا حاضنًا وطنيًا.

اقتصاديًا، لم تنجح الأنظمة العسكرية في تحويل الموارد الهائلة التي يزخر بها السودان إلى تنمية حقيقية. على العكس، شهدت البلاد انهيار المشاريع الزراعية الكبرى، وتراجع الصناعة الوطنية، وتفشي الفساد، وتراكم الديون، واتساع رقعة الفقر. تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي وأمني يخدم شبكات السلطة والولاءات، بدلًا من خدمة المواطن، فدُفعت أجيال كاملة إلى الهجرة أو البطالة أو اليأس.

أما في المجال السياسي، فقد كان القمع هو السمة الغالبة. حُلّت الأحزاب السياسية، وفُككت النقابات، وقُمعت الصحافة، وامتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين. وبذلك قُطعت الطريق أمام التطور الطبيعي للحياة الديمقراطية، وحُرم المجتمع من أدواته السلمية في التعبير والتغيير، ما جعل العنف لاحقًا يبدو، لدى كثيرين، كخيار وحيد بعد إغلاق كل الأبواب المدنية.

الأخطر من ذلك أن الحكم العسكري لم يكتفِ بالفشل، بل راكم الأزمات وصنع أسبابها. فبدل بناء جيش وطني مهني واحد، جرى تسليح القبائل، وإنشاء قوات موازية، وتغذية الانقسامات الاجتماعية والعرقية والدينية بوصفها وسيلة للحكم والسيطرة. وبهذا المعنى، فإن ظاهرة المليشيات، بما فيها قوات الدعم السريع، ليست حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات دولة عسكرية ضعيفة، فقدت احتكارها المشروع للعنف، وفشلت في إدارة التنوع والسلطة.

خلاصة التجربة واضحة: بعد ستة عقود من الحكم العسكري، لم ينعم السودان بالاستقرار، ولم يتحقق السلام، ولم تُبنَ دولة المواطنة، بل دخلت البلاد في حلقة مفرغة من الانقلابات والحروب والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، فإن تحميل الأزمات الراهنة لقوى أو ظواهر بعينها، دون مساءلة الجذر الحقيقي للمشكلة، هو هروب من الحقيقة.

 

وربما السؤال الصحيح ليس: لماذا ظهر الدعم السريع؟

بل: لماذا فشلت الدولة العسكرية في أن تكون دولة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لتأسيس سودان جديد، تُدار فيه السلطة مدنيًا، ويُعاد فيه الجيش إلى مهامه الوطنية المهنية، وتُبنى فيه دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها. دولة تُنهي التصادم التاريخي بين المركز والهامش، فلا تبقى العلاقة مسافة السيد والمولى، بل تُختصر في مسافة الوطن الواحد، المتساوي في الحق والمصير.

إن طريق الخلاص يمر عبر تحييد مؤسسات الدولة عن الولاءات الجهوية والدينية والقبلية والأيديولوجية، وترسيخ التنوع بوصفه قيمة وطنية عليا، ودمجه في الثقافة والتعليم والإعلام، لا التعامل معه كتهديد أو عبء.

رسالة أخوية إلى جيران السودان

إن كنتم حقًا تحبون السودان وتحترمون الشعب السوداني، فاتركوا لنا حقنا المشروع في أن نبني دولتنا ومؤسساتنا الدستورية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية على أسس علمية حديثة، وبإرادة وطنية خالصة، بعيدًا عن أي تدخلات سلبية أو وصاية غير مبررة.

نحن نريد دولة مدنية ديمقراطية فدرالية علمانية، تقوم على سيادة القانون، والعدالة، والمواطنة المتساوية، لا على حكم العسكر ولا على احتكار السلطة والاقتصاد. لقد ضاع الكثير من عمر الوطن بسبب تدخلات إقليمية دعمت بقاء الأنظمة العسكرية، وأسهمت في إطالة أمد الأزمات والحروب، على حساب استقرار السودان ومستقبل شعبه.

كفى استنزافًا للسودان باسم المصالح الضيقة.

دعوا السودانيين يقررون مصيرهم بأنفسهم، ويبنون دولتهم بما يخدم السلام الإقليمي المشترك، لا بإعادة إنتاج الفشل والدمار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!