رأي

مياه النيل: سياسة ضغط وصراع نفوذ..الحلقة الأولى

إسماعيل هجانة

 

إسماعيل هجانة 

اليوم تعد ميله النيل ضمن جوهر معادلات الصراع الكبرى إقليميا ودوليا ومحليا. ما كان يُنظر إليه لعقود بوصفه موردًا طبيعيًا يخضع للتفاوض الفني، أصبح اليوم جزءًا من شبكة ضغط ونفوذ معقّدة، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والمياه بالحروب، والجغرافيا بإعادة رسم الخرائط.

هاتان الحلقتان تحاولان تفكيك هذا التحول: كيف انتقل النيل من مجال التعاون إلى ساحة الصراع، ومن منطق الحقوق إلى منطق القوة، وما الذي يعنيه ذلك لمصر، إثيوبيا، والسودان، في إقليم يعاد تشكيله تحت ضغط الأزمات.

الرسالة المتداولة من ترامب إلى السيسي لا تُقرأ كنص دبلوماسي عابر. هي رسالة سياسية محمّلة بإشارات تتجاوز ملف سد النهضة، وتضع نهر النيل داخل شبكة صراعات إقليمية متشابكة، تمتد من غزة إلى البحر الأحمر، ومن القرن الأفريقي إلى الداخل السوداني.

الإشادة بدور مصر في وقف إطلاق النار في غزة ليست مجاملة. هي مدخل سياسي محسوب لإعادة ربط الملفات الكبرى ببعضها. في هذا السياق، يُستدعى النيل بوصفه عنصرًا حاسمًا في ميزان الأمن القومي المصري، وورقة تأثير في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

منهج ترامب التفاوضي معروف. الملفات تُدار بعقلية الصفقة، حيث تُفتح أبواب في مقابل إغلاق أخرى. هنا يظهر النيل ضمن معادلة أوسع تتقاطع مع الضغوط المرتبطة بتهجير سكان غزة. الرسالة غير المعلنة واضحة: الدعم في ملف المياه مرتبط بسلوك سياسي في ملفات أخرى. لا تهديد مباشر، بل تذكير قاسٍ بأدوات النفوذ.

بهذا المعنى، دخل النيل ضمن أدوات الصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية. أمن المياه لمصر يُستحضر في لحظة ابتزاز سياسي ناعم، هدفه دفع القاهرة لاتخاذ قرارات معقدة دون صدام معلن، ودون إعلان شروط صريحة.

في الوقت ذاته، يتقاطع ملف النيل مع صراع النفوذ في البحر الأحمر. المنطقة تعيش سباقًا مفتوحًا على الموانئ والقواعد وخطوط التجارة. مصر في هذا المشهد لم تعد تكتفي بدور الوسيط. تحركها السياسي والعسكري في القرن الأفريقي أصبح أكثر وضوحًا، مع دعم منظم لكل خصوم إثيوبيا إقليميًا ودوليًا، في محاولة لإضعاف نفوذها وكبح تمددها.

إثيوبيا تُقدَّم دوليًا كشريك طاقة، والسد يُعاد تعريفه كمشروع كهرباء إقليمي. هذا الطرح يمنحها شرعية سياسية واقتصادية، لكنه يضع قرارها تحت رقابة خارجية طويلة الأمد، ويحوّل السيادة إلى مسألة تفاوض مستمر.

وسط كل هذا، يقف السودان في الموقع الأخطر. دولة بلا قرار وطني موحّد، وسلطة حرب تُستخدم كواجهة تمثيل. الدعم المصري غير المحدود لمجموعة بورتسودان في الحرب الداخلية نقل القاهرة من موقع الوسيط إلى موقع اللاعب المباشر. السودان تحوّل إلى عمق استراتيجي في الصراع مع إثيوبيا، بدل أن يكون طرفًا يحمي مصالحه المائية والأمنية.

إدارة ملف النيل بينما السودان غارق في حرب وانقسام تعني أن حقوقه قد تُمرَّر كهوامش تفاوض. المياه، السدود، الأمن الغذائي، وربط الكهرباء كلها ملفات تُناقش دون صوت وطني فعلي، ودون تفويض شعبي.

احتمال الحرب حاضر. قد لا يأتي في صورة مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر وإثيوبيا، لكنه يتجلى عبر ضغوط مائية، إنهاك اقتصادي، فوضى داخلية، أو صراع منخفض الحدة طويل النفس. اعتراف ترامب بالخوف من صدام عسكري يعكس إدراكًا بأن عوامل الانفجار قائمة ومترابطة.

الخلاصة:

النيل دخل مرحلة استخدام سياسي كثيف. أصبح جزءًا من صراع غزة، وأمن البحر الأحمر، وتوازنات القرن الأفريقي، والحرب السودانية. في هذه المعادلة، من يفقد قراره الوطني يتحول إلى ساحة، لا شريكًا. والسودان اليوم أمام لحظة فاصلة: إما استعادة الدولة والصوت، أو الاستمرار كورقة في صفقات الآخرين.

إسماعيل هجانة

الحكاية الأعمق من الحرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!