
أبو عبد الله الراشدي
شهدت الساحة السودانية في الفترات الأخيرة نشاطًا متزايدًا لحملات تضليل ممنهجة، تستهدف إعادة صياغة الذاكرة التاريخية، ليس من باب البحث العلمي أو المراجعة النقدية، بل في إطار مشروع واضح لتزييف الحقائق وخدمة سرديات الدولة المركزية التي ظلت، عبر عقود، تبني شرعيتها على إنكار التاريخ الحقيقي للأقاليم والشعوب. ما يحدث اليوم ليس معزولًا، بل هو امتداد لخطوات قديمة اعتمدت على أقلام مأجورة، بعضها للأسف ينتمي إلى الوسط الأكاديمي والتعليمي، استخدمت مناهج البحث والتعليم لتغييب الوعي، لا لتنويره.
في قلب هذا التزييف تقف سلطنة دارفور، إحدى أعرق الكيانات السياسية في تاريخ السودان. فدارفور لم تكن هامشًا بلا تاريخ، ولا أرضًا سائبة بلا كيان، بل كانت سلطنة ممتدة عبر عصور طويلة، تعود جذورها إلى ما قبل دخول الإسلام إلى السودان. تعاقبت على حكمها أسر وسلاطين معروفون، ومرت بمراحل سياسية واقتصادية وثقافية واضحة المعالم، وكانت جزءًا فاعلًا من التاريخ الإقليمي، لا تابعًا له.
سقطت سلطنة دارفور لأول مرة في الغزو التركي المصري، بعد معركة منواشي الشهيرة، باستشهاد السلطان إبراهيم قرض في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1874م. ولم يكن هذا السقوط نهاية للسلطنة، بل مرحلة في مسارها. فبعد عقود، وتحديدًا في مارس 1899م، استعاد السلطان علي دينار السلطنة، وأعاد لها مكانتها السياسية، لتستمر حتى عام 1916م، حين استشهد في الغزو الإنجليزي المصري، ودخل السودان كله تحت الاستعمار البريطاني حتى إعلان الاستقلال عام 1956م.
غير أن الذاكرة الرسمية حاولت أن تختزل تاريخ دارفور، أو تفصله عن الحاضر، وكأن السلطنة كانت مجرد مرحلة منقضية بلا امتداد اجتماعي أو رمزي. والحقيقة أن السلطنة، وإن سقطت ككيان سياسي، ظلت حاضرة في الوجدان الجمعي، وفي البناء الاجتماعي والثقافي لأهل دارفور.
وفي هذا السياق، جرى في عام 1993م تنصيب السلطان حسين أيوب علي دينار، ثم السلطان إبراهيم يوسف علي دينار، وصولًا إلى تنصيب السلطان أحمد حسين أيوب علي دينار عام 2015م. وهذا التنصيب لم يكن اختراعًا حديثًا، بل استعادة لرمزية تاريخية واجتماعية ظلّت حية رغم محاولات الطمس.
وقد لعب السلطان أحمد حسين أيوب علي دينار أدوارًا مشهودة وسط أهله، خاصة في معسكرات النازحين، حيث ساهم في جهود إنسانية واجتماعية حقيقية، يشهد عليها الناس والتاريخ معًا. وأسّس منظمة قدح السلطان، التي قدمت مساعدات ملموسة للمتضررين، في وقت غابت فيه الدولة أو مارست العنف بدل الحماية. أما ما يُثار حول ثروته، فالحقيقة الواضحة أنه رجل أعمال معروف قبل تنصيبه سلطانًا في عام 2015م.
إن الدفاع عن تاريخ سلطنة دارفور ليس دفاعًا عن أشخاص، بل هو دفاع عن الحقيقة في مواجهة التزييف، وعن حق الشعوب في رواية تاريخها بنفسها. فالشعوب التي يُسرق تاريخها، يُسرق مستقبلها أيضًا. ولذلك، فإن معركة الوعي اليوم لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى، لأنها معركة على الذاكرة، وعلى المعنى، وعلى الحق في الوجود العادل داخل وطن لم يكتمل تعريفه بعد.



