رأي

الرياض والقاهرة .. تحالف انقاذ دولة ٥٦ الحل في التأسيس وليس التدوير !!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من يتمسك بالدولة القديمة يهرب من أسئلة المستقبل : لا مستقبل يُبنى بالأدوات التي صنعت الكارثة

ليس كل انحياز يُعلن في بيان رسمي، وليس كل اصطفاف يُكتب بوضوح في الوثائق الدبلوماسية. أحياناً تكفي الوقائع المتراكمة لتكشف ما تحاول اللغة السياسية إخفاءه. ومنذ اندلاع الحرب السودانية، لم يكن السؤال الحقيقي متعلقاً بمن يريد وقف القتال، بل بمن يريد تحديد شكل السودان الذي سيولد بعد الحرب.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة سياسية تتكشف يوماً بعد آخر: أن الموقف السعودي تجاه الحرب السودانية لا يختلف في جوهره عن الموقف المصري، وأن الفارق بين الرياض والقاهرة هو في الأسلوب لا في الرؤية، وفي اللغة لا في المضمون.

فالعاصمتان تتحركان من فرضية واحدة؛ أن المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى مركز المعادلة السياسية، وأن الحفاظ على ما يسمى “مؤسسات الدولة” يمثل أولوية تتقدم على أي حديث عن إعادة تأسيس الدولة نفسها. وهذه ليست مجرد قراءة انطباعية، بل خلاصة مسار كامل من المواقف والتحركات والبيانات التي صدرت منذ اندلاع الحرب.

القاهرة لم تُخفِ يوماً موقفها. فمنذ اللحظة الأولى تعاملت مع الحرب باعتبارها تهديداً مباشراً لترتيبات إقليمية ظلت لعقود جزءاً من رؤيتها للأمن القومي. ولذلك تمسكت بخطاب يقوم على دعم الجيش والحفاظ على البنية التقليدية للسلطة. لكن اللافت أن الرياض انتهت إلى الموقع نفسه، وإن جاءت إليه عبر مفردات أكثر نعومة ودبلوماسية.

الحديث المستمر عن “الحفاظ على مؤسسات الدولة” يبدو للوهلة الأولى شعاراً عقلانياً. لكن المشكلة تبدأ عندما نطرح السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه: أي مؤسسات يقصدون؟

هل يتحدثون عن المؤسسات التي قادت السودان إلى سلسلة لا تنتهي من الانقلابات والحروب والأزمات؟ أم عن مؤسسات الدولة التي عجزت طوال سبعة عقود عن بناء عقد وطني جامع؟ أم عن البنية السياسية والعسكرية التي أنتجت الأزمة الحالية نفسها؟

إن أكبر خطأ في المقاربة السعودية المصرية أنها تتعامل مع الدولة السودانية كما لو كانت ضحية للأزمة فقط، بينما يتجاهل هذا التصور أن جزءاً كبيراً من الأزمة نابع من طبيعة هذه الدولة نفسها ومن طريقة بنائها وإدارتها منذ الاستقلال.

لقد جُرّبت وصفة “الحفاظ على المؤسسات” مرات لا تحصى. جُرّبت بعد أكتوبر، وبعد أبريل، وبعد اتفاقيات السلام المختلفة، وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: تأجيل الانفجار لا منعه.

ذلك لأن الأزمة السودانية ليست أزمة أشخاص، وليست أزمة حكومة أو معارضة، وليست حتى أزمة حرب فقط. إنها أزمة بنية كاملة فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية والاستقرار في آن واحد.

ولهذا فإن الرهان على إعادة إنتاج البنية القديمة لا يمكن أن يقود إلى مستقبل جديد.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح هو: لماذا تصر الرياض والقاهرة على الدفاع عن نموذج أثبت فشله؟

الإجابة تكمن في طبيعة المصالح لا في طبيعة الشعارات.

فبالنسبة للقاهرة، يمثل السودان عمقاً استراتيجياً مباشراً، وكل تغيير جذري في بنيته السياسية يُنظر إليه بوصفه متغيراً غير مضمون النتائج. أما بالنسبة للرياض، فإن الأولوية تتمثل في استقرار الإقليم والبحر الأحمر ومسارات النفوذ الإقليمي. وفي الحالتين يصبح الجيش هو العنوان الأسهل للتعامل، حتى وإن كان ذلك على حساب التحولات التاريخية التي يطالب بها ملايين السودانيين.

ومن هنا نفهم لماذا تتكرر اللغة نفسها في الخطابين السعودي والمصري. الحفاظ على الدولة. حماية المؤسسات. دعم الشرعية. منع الانهيار. وهي عبارات تبدو براقة، لكنها تخفي سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا لو كانت هذه المؤسسات نفسها جزءاً من الانهيار؟

لقد أثبتت الحرب أن السودان لا يواجه أزمة سلطة فقط، بل أزمة نموذج حكم كامل. نموذج قام على احتكار المركز للقرار والثروة والسلاح، وعلى تحويل الدولة إلى أداة لإدارة التوازنات لا لبناء المواطنة.

ومع ذلك، فإن التحركات السياسية الجارية اليوم تسير في اتجاه مختلف تماماً. فبدلاً من البحث عن صيغة جديدة للدولة، يجري العمل على إعادة تجميع القوى السياسية حول معادلات قديمة، وصناعة غطاء سياسي جديد لمركز السلطة التقليدي، وإعادة تقديم المؤسسة العسكرية باعتبارها المدخل الوحيد للاستقرار.

وهنا يكمن جوهر الخلاف.

فالاستقرار ليس قيمة مطلقة إذا كان ثمنه إعادة إنتاج الأزمة. والاستقرار الذي يقوم على تجاهل جذور المشكلة ليس استقراراً، بل هدنة مؤقتة بين انفجارين.

لقد اعتاد السودان أن يدفع ثمن الحلول المؤقتة. وكل جيل ورث أزمة جيل سبقه لأن النخب السياسية والإقليمية كانت تبحث عن إدارة الأزمة لا عن حلها.

اليوم يتكرر المشهد نفسه بصورة تكاد تكون حرفية.

فبدلاً من طرح سؤال: كيف نبني دولة جديدة؟ يجري طرح سؤال آخر: كيف نحافظ على الدولة القديمة؟

وبين السؤالين فرق يساوي الفرق بين المستقبل والماضي.

إن السودان الذي خرج من حرب مدمرة لن يعود إلى ما كان عليه قبلها مهما أرادت بعض العواصم ذلك. والواقع الجديد الذي أفرزته الحرب أكبر من أن تحتويه معادلات صيغت لعالم لم يعد موجوداً.

لهذا فإن الرهان على إعادة تدوير البنية القديمة لن يصنع سلاماً دائماً، بل سيؤسس لجولة جديدة من الصراع، لأن أسباب الأزمة ستظل قائمة، وإن تغيرت الأسماء والوجوه.

إن أخطر ما في الموقف السعودي المصري ليس دعمه للاستقرار، بل تعريفه للاستقرار. فحين يصبح الاستقرار مرادفاً لبقاء البنية القديمة، فإن النتيجة الطبيعية هي تعطيل أي مشروع حقيقي للتغيير.

والتاريخ السياسي الحديث يعلمنا أن الدول لا تنهار لأنها تتغير، بل لأنها ترفض التغيير عندما يصبح ضرورة تاريخية.

لهذا فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى حراس للدولة القديمة بقدر ما يحتاج إلى شركاء يعترفون بأن الأزمة الحالية ليست خللاً عابراً يمكن احتواؤه، وإنما إعلان واضح عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الدولة السودانية.

وكل محاولة لإنقاذ تلك المرحلة تحت أي شعار لن تكون سوى محاولة لإطالة عمر أزمة فقدت كل أسباب البقاء.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بحراسة الماضي، وإنما ببناء المستقبل. وأن السودان لن يخرج من دائرته المغلقة ما دامت بعض القوى الإقليمية تنظر إلى إعادة التأسيس باعتبارها خطراً، بينما يراها ملايين السودانيين شرطاً ضرورياً للنجاة.

فالدول لا تُبنى بالخوف من التغيير، ولا تُدار بمنطق الوصاية، ولا تُنقذ بإعادة إنتاج أسباب أزماتها.

وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من سنوات الحرب، فهو أن السودان لم يعد يحتمل حلولاً مؤقتة، ولا تسويات فوقية، ولا وصفات مجربة أثبتت فشلها مراراً.

لقد تغيّر السودان.

والسؤال الآن ليس إن كان التغيير سيحدث أم لا.

السؤال هو: هل ستدرك العواصم التي تراهن على الدولة القديمة أن التاريخ تجاوزها، أم ستواصل الدفاع عن معادلة انتهى عمرها السياسي وبقيت آثارها المدمرة فقط؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!