رأي

أزمة انتظار الخلاص من الخارج وانسداد الأفق الوطني قراءة مقارنة في حروب السودان من الجنوب إلى الخامس عشر من أبريل

دكتور نصرالدين احمد إدريس

 

دكتور نصرالدين احمد إدريس 

مقدمة

يعيش السودانيون منذ عقود طويلة حالة مركبة من الأزمات المتراكمة، لكن أخطر ما أفرزته هذه الأزمات ليس الحرب في حد ذاتها، بل تحول الوعي الجمعي من البحث عن حلول وطنية إلى انتظار الخلاص من الخارج. وقد بلغ هذا الميل ذروته بعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، التي لا يمكن قراءتها بوصفها امتدادًا طبيعيًا لحروب السودان السابقة، بل باعتبارها قطيعة تاريخية مع نمط الصراع التقليدي، ومؤشرًا على انسداد غير مسبوق في الأفق الوطني داخل السودان.

أولًا: من حروب الأطراف إلى حرب المركز

مقارنة تاريخية مختصرة

1. حروب الجنوب والأقاليم: صراعات الهامش

حرب الجنوب، ثم حروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، كانت – رغم فداحتها – حروبًا ذات جغرافيا واضحة:

– مركز سياسي مسيطر

– أطراف مهمشة تطالب بالحقوق أو بالانفصال

– خطاب مظالم تاريخية

– إمكانية الوساطة والتفاوض باعتبار الصراع «قابلًا للتسييس»

ورغم عجز الدولة، ظل هناك وهم الدولة: مؤسسات قائمة، مركز متماسك نسبيًا، وجيش واحد – ولو مختطف سياسيًا.

2. حرب الخامس عشر من أبريل: انهيار المركز نفسه

على النقيض، جاءت حرب الخامس عشر من أبريل باعتبارها:

– حربًا داخل قلب الدولة لا أطرافها

– صراعًا بين مكونات القوة المسلحة ذاتها

– مواجهة بلا مشروع سياسي، ولا خطاب أيديولوجي

حربًا تدور في العاصمة، وتستهدف ما تبقى من الدولة لا سياساتها فقط

هذه الحرب لم تفتح جرحًا جديدًا، بل كشفت أن الجسد نفسه كان ميتًا سريريًا.

ثانيًا: لماذا ينتظر السودانيون الحل من الخارج؟

1. فشل النخب لا فشل المجتمع

النخب السياسية والمدنية:

– عجزت عن إنتاج مشروع وطني جامع

– أعادت تدوير ذات الخطابات منذ الاستقلال

– فشلت في تحويل الثورات إلى سلطة مدنية مستقرة

هذا الفشل العميق جعل المواطن يرى أن الخارج أكثر عقلانية من الداخل.

2. تآكل الثقة في الدولة

الدولة في الوعي السوداني لم تعد:

– حامية

– ولا محايدة

– ولا حتى موجودة بوصفها كيانًا جامعًا

وعندما تغيب الدولة، يصبح اللجوء للخارج سلوكًا نفسيًا دفاعيًا لا خيارًا سياسيًا واعيًا.

3. تدويل الأزمات بوصفه عادة سياسية

من نيفاشا إلى الدوحة، ومن الاتحاد الإفريقي إلى الأمم المتحدة، ترسخ نمط مفاده:

> «لا حل سوداني دون ضامن خارجي»

فتحوّل الضامن إلى صانع قرار، وتحول الداخل إلى متلقٍ سلبي.

ثالثًا: انسداد الأفق الوطني – مظاهره الخطيرة

1. غياب مشروع وطني جامع

لا توجد رؤية متفق عليها لماهية الدولة بعد الحرب.

2. تفكك مفهوم “نحن”

حلّت القبيلة، الجهة، والتحالف محل الوطن.

3. عسكرة الخيال السياسي

لم يعد التغيير يُتخيل إلا عبر البندقية أو التدخل الدولي.

4. شيطنة السياسة نفسها

باتت السياسة مرادفًا للخيانة أو الفشل، ما فتح الباب للفوضى.

رابعًا: لماذا هذه الحرب أخطر من سابقاتها؟

 

م وجه المقارنة الحروب السابقة حرب15 أبريل

1 طبيعة الصراع مركز× هامش داخل المركز

2 الدولة ضيفة لكنها قائمة منهارة

3 الحل تفاوضي سياسي غياب طرف سياسي

4 المجتمع متفرج جزئيًا ضحية مباشرة

5 الخارج وسيط فاعل ومقرر

 

هذه الحرب تهدد فكرة السودان نفسها، لا وحدته الجغرافية فقط.

خامسًا: توصيات للخروج من دائرة الانتظار

1. إعادة تعريف الوطنية

الوطنية ليست اصطفافًا عاطفيًا، بل:

عقد اجتماعي

قبول بالتنوع

مشروع دولة لا مشروع سلطة

2. كسر احتكار الخارج للحلول

ليس برفض الوساطة، بل عبر:

امتلاك رؤية داخلية

توحيد خطاب مدني حد أدنى

تحويل الخارج إلى داعم لا بديل

3. تفكيك اقتصاد الحرب

لا سلام دون:

– تجفيف موارد العنف

– تفكيك الشبكات الاقتصادية المسلحة

– إخضاع السلاح للسياسة لا العكس

4. بناء كتلة تاريخية جديدة

لا تقوم على:

الأحزاب التقليدية وحدها

ولا التحالفات الهشة

ولا العسكر

بل على:

القوى السياسية الجديدة ذات الثقل الإجتماعي

المجتمع المدني الحقيقي

النقابات الحقيقية

الفاعلين الاجتماعيين الجدد

خاتمة

إن أخطر ما في حرب الخامس عشر من أبريل ليس دمار المدن، بل تدمير الثقة في الذات الوطنية. وانتظار الحل من الخارج ليس خيانة، بل عرض مرضي لحالة عميقة من الإحباط التاريخي. غير أن الأمم لا تُنقذ بالنيابة، ولا تُبنى بالوكالة.

فإما أن ينتج السودانيون حلهم بأيديهم – مهما كان مؤلمًا وبطيئًا – أو سيظل السودان ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين، بلا أفق، وبلا قرار.

د. نصرالدين احمد إدريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!