رأي

بين خطاب تأسيس وسرديات التدليس

خالد فضل

 خالد فضل

سلطات تاسيس تعلن وتنشر فيديوهات إعتقال ابولولو المشتبه بارتكابه لانتهاكات جسيمة ضد حقوق الإنسان في الفاشر , خبر منشور ومصوّر , يقول البلاغيون في لغة العرب إنّ الخبر مما يحتمل حكمه ّ الصدق والكذب لذاته فإن طابق الحال الواقع قيل صادق وإن خالفها قيل كاذب . في سردية التدليس ينهنه أحدهم ببساطة (دي تمثيلية ساي ) . يأخذ ذلك كحكم نهائي على خبر يحتمل الوجهتين , فأي صنف من العقول هذه يمكن وصفها , وهل من الظلم وصفها بعقول القطيع الحيواني , وهي عقلية لا تخوض ابدا في مغامرة تشغيل المخ , فذاك الفعل ربما يكشف لها من أوجه الحقائق ما هو غير مرغوب في كشفه , بعض الناس يركنون إلى راحة مزيّفة بالعيش في الوهم , هؤلاء يحتاجون إلى معالجات نفسية لإخراجهم من حالة أحلام اليقظة إلى مواجهة كوابيس الواقع ومعاناته , وقسوته , فمن تلك الزوايا الحقيقية في الحياة تكتسب الخبرات وتتطور المعارف وتنهض العقول فتنتج العلوم النافعات .

ابولولو مشتبه فيه حتى الآن , المحاكمة العادلة الشفافة والمراقبة محليا ودوليا هي ما تنقله إما لخانة المدان فينال العقاب المستحق أو البرئ فيطلق سراحه . وهو مثله مثل كثيرين ممن تدور حولهم الشبهات بارتكاب فظائع حرب وفي غير الحرب . هنا يطرح تحالف تأسيس مصطلح العدالة التاريخية إضافة إلى العدالة الإنتقالية والعدالة الجنائية . هذه كلها مصطلحات حقوقية وفكرية ابتدعتها البشرية في سبيل بلوغ العدالة للإنسان باعتباره غاية نهائية في الحياة . ولكل منها وسائله وطرق إجرائه ؛ تتكامل للوصول إلى الهدف المشترك .

خطاب التاسيس على المستوى النظري على الأقل يعتمد صيغا موضوعية , وقابلة للنقاش والتطوير والحذف والإضافة , يمكن وصفها بأنها من أفضل ما يطرح الآن على الساحة الوطنية إن لم يك أفضلها . وميزة النسبية هذه تجعله خطابا متقدما , فأي خطاب صمدي آحادي لا يقبل شرط النسبية يعتبر تدليسا , ومن أخطر تلك الخطابات ما يطرح بإعتباره (الدين الإسلامي) وهو في حقيقته خطاب بعض البشر بحسب فهمهم للدين الإسلامي , في منطق النسبية يمنح ذلك الخطاب حقّه من الصواب والخطأ , أما بمنطق التدليس فهو لا يحتمل سوى الصواب فقط , وأنّى لفهم البشر لأي شئ في الكون أن يكون إطلاقيا , المؤمنون من كل معتقد يمنحون صفة الإطلاق للرب , وذاك في تقديري من حسن التدين وإحسانه , فالقوة الغيبية المهيمنة هي بؤرة الإطلاق وما دونها فهم بشر قابل للاختلاف . تأتي خطابات تأسيس هنا مؤكدة على علمانية الدولة لأن أحكامها نسبية فهي إدارة بشر لشؤون بشر , و الديمقراطية , سنمسك ذلك الحلف السياسي بما كتب وأقرّ في أدبياته وسنقيس أفعاله بما توافق عليه , ليصدر التقويم عن بصارة وشواهد وبراهين . فيما خطاب التدليس يعتمد الشمولية والإقصاء وفرض الرأي الواحد بإعتباره الصواب المطلق وغير قابل للأخذ والرد مما يوصف بالاستبداد , ويظهر التدليس أكثر في الزعم بأن تلك الممارسة ديمقراطية , بل تسمي بعض الأنظمة بلدانها بصفة الديمقراطية من عجب وكوريا الشمالية مثال .

خطاب تأسيس يدعو لوقف الحرب واستدامة السلام عبر خطوات واضحة ومحددة الصياغة , يدعم ذلك بموافقة سلطة التأسيس على اي بادرة سلام . وتسمية سلطته نفسها بحكومة السلام والوحدة , خطاب التدليس ظل باستمرار يتهرب من أي مبادرة لوقف الحرب وبداية خطوات السلام , وعند تكوين حكومة تحت إمرة الجيش دعت لمواصلة الحرب ولم تطرح أي خطة للسلام . وفيما أعلنت سلطة تأسيس عن تكوين لجنة قومية لمحاربة الإرهاب والتطرف ولجم التنظيمات الإرهابية وتجريمها بالقانون , كان خطاب التدليس تطلقه ذات تلك التنظيمات , وتفرضه على الناس في مناطق سيطرتها بالقوة والجبروت , خطاب تأسيس يحارب الإرهاب ودعايات التدليس ترعاه وتحفّزه . والعالم ليس أناس قرويين في بلدة نائية في سهول السودان تشكل آرائهم دعايات البلابسة على كل حال , العالم يقرأ الخطابات كلها , يقارن بينهما ويصل إلى استنتاجات . هنا تتضح مبادئ وأسس التأسيس , وهي قواعد وركائز تستحق التنويه , وتحظى باتفاق عام بين معظم قوى التغيير وإن اختلفت اللافتات أو التحالفات . بينما سرديات التدليس , نتف يومية , لا يصمد موقف اليوم الصباح أمام تبدل الأوضاع مساء نفس اليوم , بحيث يصبح الهتاف المنتشي بل بس مثلا أمر مرغوب عندما تنهمر البراميل المفخخة فوق رؤوس المدنيين في سوق الكومة والزرق والنهود , وتصبح ممارسات القتل وإطلاق الرصاص من فوهات البنادق على بعض المدنيين في الفاشر في ذات اليوم أمر مفزع وفعل كريه , أما تاسيس فتقول بخطاب عميق , إنها تدعو وتوافق على وقف الحرب لأن ذلك سبيل لجم الانتهاكات , وأن المشتبه فيهم بالانتهاكات يعتقلون وسيحاكمون . العالم يرصد ذلك ويسجل حتى يحكم عن يقين وليس حسب أوهام المدلسين . علاء الدين نقد يعلن دون مواربة الموافقة على خطة اللجنة الرباعية , فيما خالد الإعيسر بلسان ملتو يجيد صناعة الأكاذيب يدلّس ويتناقض في حديث خلال دقيقتين . فهو مأزوم , إذا حلّ التفاوض والسلام ذهب عن حلقومه المنصب والبريق وجفّ بلً الريق .

خطاب التاسيس عقلاني , يخاطب الدول حتى التي يتحفظ على أدوارها دون أن يغلق الابواب للحوار والنقاش , فيما خطاب التدليس ينحى في اتجاه التصعيد ضد دولة محددة يستغل حتى منصة مؤتمر للبيئة نظمته جامعة الدول العربية للبيئة لتحظى ممثلته على تصفيق غرف التضليل لكن رئيس المؤتمر ينبه أن هذا ليس مكان ما قيل وفي ذلك دليل على قلة الحيلة وضمور المنطق وضحالة التفكير , في المقابل يلتقي ممثلو التأسيس بقيادة الإيغاد فيتفقون على خطوات إحلال السلام , يهاتفون ممثلي الإتحاد الأوربي يبحثون سبل انهاء معاناة المواطنين , ودعاية التدليس تطرد الموظفين الإغاثيين الأممين , خطاب تأسيس يعلن فتح كل المسارات وتسهيل وصول الإغاثات للمتضررين ومنح أذونات الدخول لكل المغيثين والعالم في دفاتره يسجل يقسّم صفحة الورقة إلى قسمين ,نصف لبورتسودان وآخر لنيالا , فكلاهما بلدتين سودانيتين ليس في وعي العالم قانون وجه غريب !!! . . وحتما في السودان سينهض وعي ولو بعد حين , يميز بين دعايات وسرديات التدليس وبين خطاب التأسيس فيختار بإدراك ما يفيد في بناء مستقبل جديد .

رحم الله الاستاذين الزميلين الصحفيين محمد الفاتح العالم وعمار محمد آدم , واسكنهما فسيح جناته , خالص التعازي لأسرتيهما وزملائهما /ات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!