
مؤيد الأمين
لم يكن شعار ثورة ديسمبر ترفًا لغويًا، بل خلاصة تجربة شعب أنهكته الحروب والديكتاتوريات: حرية، سلام، وعدالة. غير أن هذا الحلم لم يُهزم في الشارع، بل جرى الالتفاف عليه في الوعي، حتى استُبدل بشعار هزيل وخطير في آن واحد: «بل بس»؛ أي لا خيار سوى استمرار الحرب.
الحقيقة البسيطة، وربما المؤلمة، هي أن(الكوز) لا يستطيع العيش في السلام. فالتاريخ القريب يشهد أن الإسلامويين، منذ استيلائهم على السلطة، لم يتركوا البلاد تلتقط أنفاسها يومًا واحدًا. كلما خمدت نار حرب في مكان، أُشعلت في مكان آخر. وكأن الحرب ليست استثناءً في حكمهم، بل وتد الحكم ذاته.
حين قال الشعب «كفى» لحرب الجنوب، لم يكن الرد سلامًا، بل تقسيمًا. انتهت الحرب هناك، فانفجرت في الغرب. وحين تعب الناس من حرب دارفور، لم يُقدَّم لهم أفق سلام، بل جرى تعميم الحريق حتى صار السودان كله ساحة حرب مفتوحة. وفي كل مرة، كان الخطاب واحدًا لا يتغير: ليس الآن… بعد القضاء على التمرد الفلاني. تمرد ينتهي، وآخر يُخترع، والسلطة تبقى.
بهذه الطريقة جرى تطبيع الحرب، لا باعتبارها كارثة، بل كحالة دائمة، بل كضرورة وطنية مزعومة. وساعدت الآلة الإعلامية الإسلاموية في قلب المعايير: السلام صار ضعفًا، ووقف الحرب صار خيانة، والدعوة للديمقراطية ترفًا لا يليق ببلد «محاصر بالمؤامرات». أما الحرب، فهي الحل السحري لكل شيء… إلا لمعاناة الناس.
لم يكن هذا التحول عفويًا. لقد استُخدمت أدوات نفسية وفنية بذكاء: خطابات حماسية، أناشيد صاخبة، تخويف مستمر، وتبسيط مخادع للصراع. النتيجة كانت مؤلمة: كثير من الطيبين اقتنعوا بأن استمرار الحرب هو الخلاص، دون أن ينتبهوا أن الخلاص الحقيقي هو آخر ما تريده هذه المنظومة. فالحرب، بالنسبة للكيزان، ليست مأساة يجب إنهاؤها، بل ضمانة للبقاء في السلطة.
ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بهذه الآلية، ولا تضخيمها أيضًا. فهي فعالة، نعم، لكنها ليست أبدية. هزيمتها لا تكون باختلاق قصص، ولا بالمزايدات، بل بـوعي عنيد، ونشر مستمر للحقيقة، وربط واضح بين استمرار الحرب ومصالح الإسلامويين، وتذكير الناس بأن كل حرب قيل إنها «الأخيرة» كانت مجرد جسر لحرب جديدة.
المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل فكرية وأخلاقية. استعادة الحلم تبدأ من كسر الوهم: أن «بل بس» ليست قدرًا، بل خدعة. وأن الشعار الذي أرعبهم فعلًا، وما زال، هو ذاك البسيط الواضح: *حرية، سلام، وعدالة.*




