إقتصاد

من هجرة رأس المال إلى تصفية الأصول: كيف يدخل الاقتصاد السوداني مرحلته الأخطر

التنوير ... القسم الاقتصادي

 

التنوير … القسم الاقتصادي 

 

من الخروج التدريجي إلى الانسحاب الكامل لرأس المال

في يوليو 2025، تناولنا مسار هجرة رؤوس الأموال السودانية منذ عام 2019، حيث بدأ رأس المال بالخروج الحذر من البلاد، ثم تحوّل إلى نزوح واسع مع اندلاع الحرب، لينتقل النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى الخارج، بينما تراجع دور الجهاز المصرفي وتآكلت الثقة في بيئة الاستثمار المحلي. آنذاك، أشرنا إلى أن كثيرين يحتفظون بأصولهم العقارية في انتظار تحسن الأسعار للعودة بغرض البيع، لكننا حذّرنا من أن هذا الانتظار، مع استمرار الضغوط الاقتصادية، سيقود إلى وفرة كبيرة في العرض وانهيار واسع في القيمة.

لم تكن تلك قراءة عابرة، بل توصيف لمسارٍ كان يتشكل بوضوح. واليوم، ندخل المرحلة الأخطر: الانتقال من هجرة رأس المال إلى تصفية الأصول داخل السودان نفسه.

سوق العقارات: انهيار القيمة وإعادة تشكيل المدن

ما يجري حالياً في سوق العقارات لا يشبه أي دورة سابقة. العرض يتزايد بكثافة غير مسبوقة، والطلب شبه متوقف، والأسعار تهبط إلى مستويات صادمة. منازل كانت تُقدَّر قيمتها بأكثر من مليون دولار في أحياء مثل الرياض، تُعرض اليوم بأربعمائة ألف دولار، وفي حالات كثيرة بأقل من ذلك، دون أن تجد مشترياً فورياً.

وفي أم درمان، شهدت أحياء مثل المهندسين تبدلاً سكانياً كاملاً، حيث بيعت مربعات سكنية بأكملها، وتغيّر النسيج الاجتماعي المعروف لتلك المناطق. هذا ليس مجرد نشاط عقاري، بل إعادة تشكيل صامتة للمدن، تتم خارج أي رؤية تخطيطية أو سياسة رسمية، في ظل غياب تام لدور الدولة في الرصد والتحليل والتدخل.

 الصناعة تهاجر… والإنتاج المحلي يتلاشى

التفكك لا يتوقف عند العقار، بل يمتد بعمق إلى القطاع الصناعي. إعادة بناء الصناعة داخل السودان باتت شبه مستحيلة في ظل الدمار الواسع وبيئة التمويل الطاردة. أكثر من 2200 مصنع في بحري الصناعية وحدها خرجت من الخدمة، ناهيك عن بقية المناطق، وتتطلب إعادة تأهيلها تمويلاً ضخماً وطويل الأجل، وهو أمر غير قابل للتحقق في ظل معدلات مرابحة مصرفية تجاوزت 40% سنوياً.

أمام هذه المعادلة، اتخذ المصنعون القرار الأكثر عقلانية اقتصادياً: نقل الصناعة إلى الخارج.

في مصر، تُصنّع مئات المنتجات السودانية بنظام التصنيع لدى الغير (Private Label) بتمويل صناعي لا يتجاوز 5% سنوياً، وعلى أراضٍ صناعية مخططة لا يتعدى سعر المتر فيها 1700 جنيه مصري. وفي تركيا، تُنتج زيوت الطعام اعتماداً على خام يُستجلب من أوكرانيا، ويُصفّى ويُعبّأ هناك ثم يُصدّر إلى السودان. في ظل هذه الظروف، تصبح العودة للإنتاج المحلي قراراً غير اقتصادي، خاصة أن غالبية رجال الأعمال اليوم يقيمون خارج البلاد، وأسرهم مستقرة في بيئات تعليمية وخدمية يصعب التخلي عنها.

 انهيار العملة، غياب التأمين، وضرورة الأمن الاقتصادي

هذا التحول الإنتاجي يضغط مباشرة على العملة الوطنية؛ فبدلاً من أن يكون السودان منتجاً أو مكتفياً ذاتياً، أصبح مستورداً لسلع كان يمكن إنتاجها محلياً، ما يرفع الطلب على الدولار بصورة مستمرة، بينما يتراجع الإنتاج والصادر بفعل ارتفاع التكاليف. وبهذا، يصبح ارتفاع الدولار في السوق الموازي نتيجة اختلال هيكلي حقيقي لا مجرد مضاربات.

في مواجهة هذا التآكل المالي، يبرز قطاع التأمين كأداة أساسية للاستقرار. فابتكار منتجات مثل تأمين استقرار رأس المال—وهو امتداد لتأمين مخاطر التضخم وتقلبات العملة—يمكن أن يحمي المراكز المالية للبنوك من التدهور الحاد في القوة الشرائية، ويمنحها القدرة على الاستمرار في التمويل بدلاً من الانكماش الدفاعي.

تجارب دول مثل تركيا، الأرجنتين، البرازيل، وحتى أسواق أوروبا الناشئة، تؤكد أن هذه الأدوات ليست نظرية، بل ضرورة في البيئات المتقلبة.

لكن الخطر الحقيقي أن المهددات الاقتصادية لا تقل خطورة عن المهددات العسكرية. فبدون اقتصاد قادر، لا يمكن تحقيق أمن مستدام. وهنا يجب أن يتجاوز دور مؤسسات الدولة، وعلى رأسها أجهزة الأمن الاقتصادي، مرحلة ملاحقة الجرائم إلى بناء منظومة رصد مبكر وتحليل عميق لحركة رأس المال.

إن إنشاء مركز دراسات استراتيجية للأمن الاقتصادي، وإصلاح السياسة التمويلية بتشجيع صيغ المشاركة والمضاربة بدلاً من المرابحات الخانقة، وتوفير تغطيات تأمينية ضد تدهور العملة، ليست خيارات مؤجلة، بل شروط بقاء.

ما يجري في السودان ليس أزمة عابرة، بل تحول هيكلي عميق يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع معاً. وإذا لم تبدأ الدولة فوراً في فهم هذا التحول وإدارته بسياسات واقعية وبرامج شجاعة، فإن البلاد لا تخسر أموالها وأصولها فقط، بل تخسر مستقبلها الاقتصادي بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!