
عباس أحمد السخي
منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يكن ممكناً فصل مسارها العسكري عن السياق السياسي والاستراتيجي الذي سبقها ورافقها. فالحرب، كما بات واضحاً، لم تنفجر صدفة، بل جاءت تتويجاً لترتيبات وحسابات معقدة لطرفي إشعالها، وفي مقدمتهم مصر وتنظيم الإخوان المسلمين. وكان لزاماً على هذا التحالف، منذ اللحظة الأولى، أن يعتمد استراتيجية قادرة ـ نظرياً على الأقل ـ على تغيير موازين القوة على الأرض، أو تعويض الخلل البنيوي في ميزان الصراع. من هنا وُلدت «أكذوبة الجيش القومي» بوصفها استراتيجية مركزية، رُوِّج لها بكثافة في مواجهة قوات الدعم السريع، التي يدرك مُشْعِلي الحرب (الاخوان ومصر)، أكثر من غيرهما، أنها قوة متقدمة على الجيش التقليدي بمراحل واسعة.
فالتفوق الذي تتمتع به قوات الدعم السريع لا يقتصر على العدد أو الانتشار، بل يتجسد أساساً في بنيتها الداخلية المتجانسة من حيث العقيدة القتالية، والتكوين التنظيمي، والخلفية البيئية والمناطقية، فضلاً عن الفئات العمرية التي منحتها مرونة عالية وقدرات معيارية في القتال والحركة واتخاذ القرار. في المقابل، كان الجيش الذي جرى تقديمه للرأي العام بوصفه «جيش الدولة الرسمي» يعاني من تشوهات عميقة في بنيته ووظيفته، وهو ما جعل تصديره كـ«جيش قومي» مجرد مراوغة وغطاء سياسي ونفسي لا أكثر. ومع ذلك، كانت هذه هي الاستراتيجية الأولى التي اعتمدها مُشْعِلي الحرب، إدراكاً منهما لما يمكن أن يخلقه هذا الطرح من زخم تعبوي داخلي وإقليمي.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن مصر نفسها، أكثر من أي طرف آخر، تعلم يقيناً أن الجيش السوداني، منذ انقلاب يونيو 1989 الذي نفذه تنظيم الإخوان المسلمين على الحكومة الديمقراطية، لم يعد جيشاً يعبر عن الهوية القومية السودانية، بقدر ما تحول ـ تدريجياً وبصورة منهجية ـ إلى مليشيا حزبية تتبع للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، فرع السودان. فقد طالت التغييرات الهيكلية عمق المؤسسة العسكرية، حيث إقتصر التجنيد في صفوف الضباط وضباط الصف والفنيين على منسوبي التنظيم، حتى بات الالتحاق بالقوات المسلحة، بعد ذلك التاريخ، حكراً عملياً على الإخوان. وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، وتدركها القاهرة جيداً، بل ربما أكثر من غيرها.
كيف لا، ومصر ظلت حاضرة استخبارياً داخل الجيش السوداني منذ نشأته الأولى في كتائب جيش «البارنقر»، وما زالت خلاياها الاستخباراتية متوارثة ومعلومة داخل المؤسسة العسكرية، بحكم التاريخ والجغرافيا وتشابك المصالح. ومن هنا يثور السؤال المنطقي: كيف تدعم مصر جيشاً تعلم أنه يمثل التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، في حين تخوض هي صراعاً مفتوحاً مع الإخوان داخل أراضيها؟ الإجابة، ببساطة، أن العدو الأول لمصر في السودان لم يكن يوماً الإخوان وحدهم، بل النظم الديمقراطية بالأساس.
وقد ظلت مصر تتعامل مع إخوان السودان عبر حزمة من الاستراتيجيات البراغماتية الناجحة والمجربة. أولها استراتيجية الترويض والابتزاز، وتجلى ذلك بوضوح عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حيث نجحت القاهرة في تعظيم مكاسبها الاقتصادية من موارد السودان، وفرضت سيطرتها على مناطق مثل حلايب وشلاتين وأبو رماد الغنية بالمعادن، فضلاً عن استتباع الاقتصاد السوداني ليعمل كرافعة للاقتصاد المصري دون مقابل حقيقي. أما الاستراتيجية الثانية، فهي تغيير النظم عبر الانقلابات العسكرية حين تفشل سياسات الترويض والابتزاز، وهو ما ظل يحدث مع الحكومات الديمقراطية السودانية على الدوام.
وبالنظر إلى صعوبة الفصل بين العسكر والإخوان في السودان، غدت استراتيجية الاحتواء والابتزاز والمحاصرة هي الخيار المفضل للقاهرة، مستفيدة من شبكة حلفائها الإقليميين والدوليين، ومن قدرتها على عزل النظام السوداني وإضعاف تفاعله الإيجابي مع المؤسسات الدولية، ولا سيما مؤسسات التمويل العالمية. في هذا السياق، لم يكن تبني خطاب «الجيش الوطني» سوى نقطة التقاء لمصالح مصر والإخوان معاً، بهدف تعبئة الشارع، وتوفير مسوغات أخلاقية وسياسية لانخراط السودانيين البسطاء في الحرب ضد قوات الدعم السريع. وجرى تصوير المشهد على أنه حرب بين «جيش السودان» و«جيش قبائل الشتات»، في خطاب إقصائي تبسيطي، يتعمد طمس الحقائق القانونية والسياسية. والمؤسف أن هذه الحيلة الماكرة انطلت على قطاعات واسعة من أبناء السودان، الذين لم يتوقفوا عند حقيقة جوهرية مفادها أن كلاً من الجيش وقوات الدعم السريع كانتا، حتى قبيل اندلاع الحرب، قوتين نظاميتين معترفاً بهما بموجب القوانين السارية في الدولة السودانية.
إن الحقيقة التي ينبغي أن يعيها الشعب السوداني، مهما كانت قاسية، هي أن «قوات الشعب المسلحة» بالمعنى القومي والمهني لم تعد موجودة منذ يونيو 1989. فقد قام تنظيم الإخوان بحلها من الباطن، واستبدلها عملياً بمليشيا حزبية تدين بالولاء للتنظيم الدولي، لا للوطن. وهذه الحقيقة، على مرارتها، ستظل قائمة إلى أن تُستوفى – لاحقا- الشروط الضرورية لتكوين جيش وطني مهني، يُبنى على أسس ومعايير دولية واضحة، ويلتزم بالوظيفة الدستورية للجيوش الوطنية، وبالأسس الفيدرالية التي تعكس تنوع السودان وتعدديته.
عندها فقط، يمكن للسودانيين أن يقولوا بصدق إن لديهم جيشاً وطنياً قومياً مهنياً، يستحق الاصطفاف خلفه، ويملك القدرة على حماية حدود البلاد وصون سيادتها، ويكون حائط الصد الأول في مواجهة العدوان الخارجي، لا أداة قمع في الداخل. جيشٌ يوجّه سلاحه لحماية أبناء الوطن لا لقتلهم، ويجسد معنى الدولة لا أكذوبة تُستدعى عند كل صراع، ثم تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي.




