رأي

عندما يحاكم الانقلابُ ضحاياه: سلطة بورتسودان وهولوغرام الشرعية

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في بلد اعتاد أن يُدار بالمفارقة، لا يبدو غريباً أن تتحول سلطة انقلابية إلى خصمٍ وحكمٍ في آنٍ واحد. سلطة بورتسودان، التي أطاحت بالنظام الدستوري بانقلاب 25 أكتوبر 2021، قررت فجأة أن ترتدي ثوب «حماية الشرعية»، فاتهمت رئيس الوزراء الشرعي د. عبد الله حمدوك بتقويض نظامٍ هو في الأصل غير دستوري. مفارقة تليق بسودان الانقلابات.

آخر فصول هذه الكوميديا السوداء تمثّل في تقديم 201 شخصاً للمحاكمة، في قائمة واحدة عجيبة، ضمّت قادة من قوات الدعم السريع إلى جانب قيادات من القوى المدنية والثورية (صمود وثوار)، بل ورئيس الوزراء الشرعي نفسه. هذا الخلط ليس خطأً قانونياً ولا ارتباكاً إدارياً، بل حيلة سياسية قديمة يعرفها الكيزان جيداً: خلط الجناة بالضحايا، وتشويش وعي الشارع، وإيهام الناس بأن «الجميع متورط».

الرسالة التي تريد سلطة بورتسودان تمريرها واضحة وخطيرة: القوى المدنية والثورية كانت سبب الحرب، وحمدوك شريك في إشعالها، والجميع يتحمل المسؤولية بالتساوي. هكذا تُمحى الحقيقة بضربة قلم، وتُعاد كتابة التاريخ ببيان اتهام، ويُستبدل السبب بالنتيجة.

لكن الواقع، كما يعرفه السودانيون، أكثر وضوحاً من هذه المسرحيات. الشعب لم يكن غائباً يوم الانقلاب على حمدوك، ولم يكن مخدوعاً حين خرج رافضاً للحرب. القوى المدنية، منذ اليوم الأول لاشتعالها، نادت بوقفها، ورفضت عسكرة السياسة، وتمسكت بموقف ثابت لم يتغير ولم يتلون. بينما الذين يتهمونها اليوم هم أنفسهم من فتحوا أبواب الجحيم على البلاد، ثم وقفوا يوزعون الاتهامات.

إدراج قادة الدعم السريع مع القوى المدنية في ملف واحد ليس سعياً للعدالة، بل محاولة لصناعة رواية زائفة تقول إن الحرب نتاج «صراع شامل» بلا مسؤولية محددة. بهذه الصيغة تُغسل الأيدي من الانقلاب، وتُخفف المسؤولية عن من أشعل النار، ويُحمَّل دعاة السلام وزر الخراب.

أما محاكمة حمدوك غيابياً فهي ذروة العبث. رئيس وزراء شرعي، أُطيح به بانقلاب، يُحاكم اليوم لأنه لم يمنح الانقلاب شرعية لم يستحقها. انقلابيون يتحدثون عن القانون، وكأن الدبابة صارت نصاً دستورياً، وكأن البيان العسكري تحول إلى حكم قضائي.

هذه المحاكمات ليست دليلاً على قوة السلطة، بل على هشاشتها. فالسلطة الواثقة لا تحتاج إلى محاكمات جماعية، ولا إلى خلط الأوراق، ولا إلى فبركة روايات. وحدها السلطة التي فقدت الشرعية تحاول أن تصنع لها «هولوغراماً» قانونياً: صورة ثلاثية الأبعاد بلا مضمون، تُعرض على الشعب علّه ينسى.

لكن الشرعية لا تُستعاد بالاتهام، ولا تُصنع بالبيانات، ولا يحميها الانقلابيون. ستبقى الحقيقة عنيدة: الانقلاب انقلاب، والحرب جريمة، والقوى المدنية والثورية ظلت ثابتة في موقفها. أما محاكم سلطة بورتسودان، فلن تكون سوى فصل آخر في مسرحية طويلة، يعرف الشعب نهايتها جيداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!