رأي

الكتلة الديمقراطية: مسرحية الانقسامات المفتوحة

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

في عالم السياسة السودانية، يبدو أن الكتل والتحالفات الموالية للجيش تعيش حكاية غريبة تشبه إلى حد بعيد فيلمًا كوميديًا أسود؛ حيث يلتقي الانقسام مع سوء التقدير في توقيت خاطئ، ويخرج المشهد وكأن الجميع يرقص على إيقاع غير مرئي، فيما المدنيون يشاهدون من شرفات الواقع المتهالك.

الأمر لا يقتصر على مجرد خلاف حول لقاء سياسي أو قرار داخلي؛ فالموضوع أعمق من ذلك بكثير. الكتلة، التي يفترض أن تكون صوتًا موحدًا وداعمًا لمسار سياسي محدد، تظهر هشاشةً تجعل مراقبًا عاديًا يتساءل: هل نواجه فعلاً تحالفًا سياسيًا أم مسرحًا مفتوحًا للتجارب الحية على التنسيق المؤسسي؟ التناقض بين التصريحات المتبادلة للمتحدثين الرسميين، وسرعة التراجع عن أي موقف، يكشف عن خلل بنيوي يجعل من الانسجام داخل الكتلة مهمة أشبه بمحاولة ربط حبل مطاطي في عاصفة.

في هذه البيئة المشحونة، يبدو أن كل خطوة تُتخذ، حتى لو كانت بسيطة، تتحول إلى فرصة لتسليط الضوء على العيوب الداخلية. لقاء بسيط مع جهة خارجية يتحول إلى أزمة داخلية، وتصريح مقتضب يتحول إلى جدل سياسي مفتوح، وكأن الانقسام أصبح هواية رسمية لا يجرؤ أحد على التخلي عنها. وهذا المشهد يعكس حقيقة واحدة: قوة التحالف ليست في قدرته على إدارة الملفات، بل في سرعته على خلق الأزمات من الهواء النظيف.

أما الجانب الأكثر إثارة للدهشة فهو كيف أن هذا الانقسام العلني يكشف عن فشل الكتلة في التعامل مع ضغوط الإقليم والدوليين بطريقة منظمة، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرتها على التأثير في أي تسوية سياسية، أو حتى في صياغة مواقف موحدة داخل أي إطار تفاوضي. في الوقت نفسه، المشهد يبدو وكأنه دعوة ساخرة لتعليم فنون التمثيل السياسي: كيف تُظهر الوحدة أمام العالم وأنت تمزقها داخليًا؟

في النهاية، الكتلة الديمقراطية ليست مجرد تحالف ضعيف أو منظمة مهتزة، بل مرآة عاكسة لأخطاء الداخل السياسي، ولعلها تقدم درسًا لكل من يظن أن التحالفات يمكن أن تصمد بلا آليات واضحة واتفاقات مؤسسية صلبة. والانقسام العلني ليس فشلًا عابرًا، بل هو إعلان صريح عن هشاشة تنظيمية وفقدان قدرة على اتخاذ القرار.

ورغم كل السخرية، يبقى السؤال المؤلم: هل ستتمكن الكتلة يومًا من تجاوز هذه الدوامة الداخلية، أم أننا سنظل نراقب العرض المسرحي السياسي، نستمتع بالمشهد ونبكي على النتائج في الوقت نفسه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!