
عبدالناصر حمزة
لكل مجتمع طقوسه الخاصة في التعبير عن الفرح، وتبقى المناسبات الاجتماعية ــ من أعراس واحتفالات ــ مساحات إنسانية خالصة يفترض أن تُكرَّس للبهجة ولمّ الشمل وبث الطمأنينة. ويُعد الرقص والأهازيج والألعاب الشعبية والتراثية من أكثر أشكال التعبير قبولاً واحتراماً، لأنها تعبّر عن الروح الجمعية للمجتمع دون أن تلحق أذى بأحد. غير أنّ ما تشهده مدينة نيالا ومحلياتها في الآونة الأخيرة يكشف عن انحراف خطير في مفهوم الاحتفال، يتمثل في استخدام السلاح وإطلاق الذخيرة الحية في الأفراح، وهي ظاهرة سالبة تستوجب الوقوف عندها بصرامة وحسم.
لقد أدّت الحرب في السودان إلى انتشار السلاح بصورة غير مسبوقة بين أوساط المواطنين، حتى أصبح وجوده في بعض المنازل أمراً اعتيادياً لا يثير الاستغراب. هذا الانتشار الكثيف، في غياب الوعي والرقابة، حوّل السلاح من أداة حماية مفترضة إلى خطر داهم يهدد أمن المجتمع وسلامة أفراده. وتتجلى خطورة هذا الأمر بشكل خاص عند استخدام السلاح في المناسبات الاجتماعية من قبل أشخاص ليست لديهم أي خبرة أو دراية بعواقب إطلاق النار، الأمر الذي أدى في حالات كثيرة إلى إزهاق أرواح بريئة بسبب الذخيرة الطائشة.
كم من فرحٍ تحوّل في لحظات إلى مأتم، وكم من عروس أو طفل أو مشارك في مناسبة سقط ضحية رصاصة خرجت بلا وجهة ولا رحمة. فالطلقة، بعد مغادرتها فوهة البندقية، لا يمكن التحكم في مسارها ولا التنبؤ بمن ستصيبه. وهي لا تميّز بين مذنب وبريء، ولا تعرف حدود الفرح ولا قدسيته. وعليه، فإن استخدام الذخيرة في الأفراح لا يزيد المناسبة بهجة ولا يضيف لها سروراً، بل يزرع الرعب والخوف في النفوس، ويترك جرحاً غائراً في ذاكرة المجتمع.
من هنا، تصبح مسؤولية السلطات في ولاية جنوب دارفور ــ وعلى وجه الخصوص الجهات الأمنية والتنفيذية ــ مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل. فالتدخل الجاد، وإصدار قرارات رادعة تمنع منعاً باتاً استخدام السلاح وإطلاق الذخيرة في المناسبات، بات ضرورة ملحّة لحماية الأرواح وإعادة الاعتبار لقيمة الحياة. كما نعوّل كثيراً على قوات حماية المدنيين التي تم تدشينها مؤخراً بمدينة نيالا، من مختلف الوحدات النظامية، ونضع على عاتقها هذه المهمة الجسيمة، إيماناً بأنها الأقدر على محاربة هذه الظاهرة ووضع حد نهائي لها دون استثناء أو تهاون.
إن المجتمع الذي أنهكته أصوات الرصاص لسنوات طويلة، يحتاج اليوم إلى السكينة لا إلى المزيد من الخوف. وولاية بدأت تتعافى من ويلات الحرب، ويعود مواطنوها تدريجياً لممارسة حياتهم الطبيعية، تستحق أفراحاً بلا أحزان، وزغاريد بلا دموع. فلتكن المناسبات الاجتماعية عنواناً للحياة، لا بوابة للموت، ولنحمِ مجتمعاتنا بالوعي والقانون معاً.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.




