رأي

الهولوغرام السياسي: كيف يُدار وطن بالحيلة الإعلامية؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في السودان اليوم، لا يبدو أن السياسة تُمارس عبر الحلول بقدر ما تُمارس عبر صناعة الضجيج. هالات إعلامية متواصلة، عناوين صاخبة، وزخم مصنوع بعناية ليغطي على الفراغ الحقيقي. فالفراغ حين يكبر، يحتاج إلى ضوضاء أكبر، وهذا ما تفعله الآلة الإعلامية الإسلاموية منذ تصنيف الحركة الإسلاموية في السودان رسمياً كجماعة إرهابية وإدراجها كاملة في قائمة الإرهاب.

الصدمة السياسية الناتجة عن هذا التصنيف لم تُقابل بمراجعة أو اعتراف، بل بحالة إنكار جماعي أقرب إلى الهزيان السياسي. فجأة تحولت المنصات الإعلامية المرتبطة بهم إلى مصانع أمل افتراضي، تُنتج روايات بطولية عن (إنقاذ الدولة) بينما يعرف المواطن جيداً من أشعل الحرب ومن قاد البلاد إلى هذا المنحدر التاريخي.

المفارقة الساخرة أن البلاد، في الوقت ذاته، تغرق في الانتهاكات اليومية. القتل مستمر، النزوح يتسع، والموت المجاني أصبح خبراً عادياً لا يتجاوز دورة الأخبار. ومع ذلك، يظهر رئيس وزراء سلطة الأمر الواقع بقرار إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية؛ خطوة تبدو حديثة في ظاهرها، لكنها تشبه تركيب شاشة ذكية داخل منزل يحترق.

في بحري، تُزال منازل مأهولة، وتُهجَّر أسر كاملة دون بدائل واضحة أو حماية اجتماعية، بينما ينشغل الخطاب الرسمي بتقديم صورة دولة تتجه نحو المستقبل الرقمي. المواطن الذي فقد سقف منزله لا يسأل عن الذكاء الاصطناعي، بل عن مكان ينام فيه هذه الليلة.

وفي مشهد موازٍ، تتسع دائرة العقوبات القاسية بإصدار أحكام بالإعدام على ٧٧ شخصاً بتهم التخابر والتعاون مع قوات الدعم السريع. العدالة، كما تُقدَّم رسمياً، تبدو حازمة؛ لكنها في نظر كثيرين تتحول إلى جزء من مناخ عام قائم على التخويف أكثر من كونه مساراً يفتح باب السلام.

اللافت أن كل هذه القرارات تأتي في توقيت واحد: تصعيد أمني، قرارات تعليمية لافتة، تغييرات إدارية متلاحقة، وضجيج إعلامي كثيف. وكأن هناك محاولة مستمرة لإعادة ترتيب أولويات النقاش العام بعيداً عن السؤال الجوهري الذي يطرحه السودانيون منذ اندلاع الحرب ( متى تتوقف؟)

حتى قطاع التعليم العالي لم ينجُ من هذا المناخ؛ قرارات فضفاضة ورواتب معلقة وإجراءات متعجلة تُدار بلا رؤية واضحة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى استقرار مؤسسي لا إلى إدارة يومية للأزمات.

السخرية المؤلمة أن مطالب الشارع لم تتبدل (وقف الحرب، حكم مدني وحقوق أساسية في الحياة والكرامة)

لكن بدلاً من الاستجابة، يجري إنتاج واقع إعلامي بديل، وطن افتراضي يبدو مستقراً على الشاشات بينما يتفكك على الأرض.

ويبقى السؤال الأكبر معلقاً ، إلى متى يستمر الصمت الدولي أمام تصاعد الانتهاكات؟ فالعالم يشاهد بلداً يُدار بالهولوغرام السياسي؛ صورة لامعة بلا مضمون، وضجيج مرتفع يخفي حقيقة بسيطة ، لا يمكن لأي دولة أن تهرب من أزمتها عبر العناوين، ولا يمكن للضجيج أن يهزم الواقع إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!