
سيبويه يوسف
بات من الواضح أن المشهد العسكري يتغير بسرعة كبيرة، وأن ميزان التفوق الميداني يرجّح تفوق قوات تحالف تأسيس، وهذا التفوق بدأ منذ السيطرة على مدينة الفاشر، ومن بعدها الانفتاح على مناطق كرنوي وأم برو والطينة، وأعقب ذلك السيطرة على مدينة بابنوسة وحقل هجليج النفطي، بجانب إحكام السيطرة على مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، والانفتاح جنوبًا بحصار مدينتي الدلنج وكادقلي، مع الانتشار في مناطق جبال النوبة الشرقية.
المؤكد في كل هذا التقدم أن هناك استراتيجية فاعلة لجأت إليها قوات الدعم السريع بعد انسحابها من ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم، لعوامل مختلفة، أهمها إعادة ترتيب التموضع، والحفاظ على سلاسل إمداد متنوعة تبدأ من الخط الخلفي، وإعادة ترسيم الانتشار العسكري بما يتوافق مع بنك الأهداف.
ولا نغفل أن هناك عوامل أخرى جعلت قيادة الدعم السريع تعيد النظر في الانتشار العسكري الكبير للقوات، في ظل لجوء الجيش لاستخدام السلاح الكيميائي، كما ثبت ذلك في بيان المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية في العديد من المناطق داخل مدينة الخرطوم وخارجها. ومن المؤكد أن سحب القوات يتماشى مع إرادة القيادة للخروج بأقل الخسائر، والاحتفاظ بالعنصر البشري، العامل الحاسم في تفوق قوات الدعم السريع، بما يحافظ على التكتيكات المرحلية والأهداف المستقبلية في استعادة السيطرة مجددًا.
تمكنت قوات تحالف تأسيس في اليومين الماضيين من إحداث اختراق مهم واستراتيجي، بتحقيق انتصارات حاسمة في منطقة المويلح على تخوم غرب مدينة أم درمان. وهذه الانتصارات يجب أن تُقرأ وفقًا لاستراتيجية إعادة ترتيب بنك الأهداف، ومن ثم استعادة السيطرة مجددًا على المناطق التي انسحبت منها في وقت سابق. وبالتأكيد فإن زحف قوات تأسيس على دفاعات الجيش المتقدمة في محور غرب أم درمان لم يأتِ صدفة، وإنما جاء بعد معارك كبيرة في محاور شمال كردفان، وإرغام الجيش على التراجع بعد عزل وتحييد أعداد كبيرة من مليشيات المشتركة وكيكل في معارك أم صميمة وأبو قعود ورهيد النوبة.
من المتوقع أن تشهد الساعات القادمة تصاعدًا في العمليات العسكرية بعد فشل كل محاولات الجيش للخروج من الحالة الدفاعية المزمنة، بعد الهزائم التي تعرضت لها معظم المتحركات العسكرية لفك حصار مدينة الأبيض ومدينتي الدلنج وكادقلي، بجانب أن معظم قواته المتمركزة في مدينة الأبيض تُعد في الأساس قوات منهزمة ومنسحبة من معارك سابقة. وبالتالي فإن العلم العسكري يقول إن الجندي المهزوم أو المنسحب يُعد الأضعف قتاليًا، وفاقدًا للرغبة في القتال، وهذا ما تكشفه الأيام المقبلة في ظل الحصار القابض الذي تفرضه قوات تحالف تأسيس على ما تبقّى من مدن كردفان.
أصبحت الخرطوم اليوم مطلبًا مهمًا لقوات تحالف تأسيس، بعد أن أصبح شعار حكومة الوحدة والسلام يتجاوز أحلام السيطرة على إقليم دارفور وكردفان، عندما طرح التحالف دستورًا لحكم السودان وفق أطروحة السودان الجديد، التي تقوم على حلحلة القضايا المفصلية التي أقعدت بالسودان منذ استقلاله، وفق إطار يعالج قضايا الحكم والعدالة والمواطنة المتساوية، وقضايا الثروة والسلطة، وتأسيس جيش مهني يقوم على معايير تتفق عليها الشعوب السودانية.




