رأي

السودان في المخيلة المصرية… غطرسة مزمنة واستغلال لا ينتهي

نجم الدين دريسة

لم تكن العلاقة بين السودان ومصر يوماً علاقة ندية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. بل ظلت، تاريخياً، علاقة مشوبة بالهيمنة والاستغلال والتلاعب، تغذيها نظرة استعلائية من النخبة المصرية تجاه السودان وشعبه، ورغبة دائمة في إبقاء الدولة السودانية حديقة خلفية تخضع لمعادلات الأمن القومي المصري ومصالحها الاستراتيجية.

أبرزت الحرب الأخيرة التي فجّرها تحالف الفلول وجناح من المؤسسة العسكرية المختطفة عمق هذه الإشكالية، فكلما انكشف ضعف هذا التحالف وتآكله، برز الدور المصري أكثر فجاجة في محاولة إعادة إنتاج دولة تابعة في الخرطوم، قائمة على الولاء لا السيادة، وعلى الإذعان لا الندية.
فالجيش السوداني، الذي ظل لعقود أداة بيد السلطة المركزية التي صنعتها مصر منذ عهد الاحتلال الإنجليزي-المصري، لم يخرج بعد عن عباءة التبعية الاستخباراتية لمؤسسات الدولة العميقة في القاهرة. وقد مكّنت هذه العلاقة مصر من تمرير أجنداتها، سواء عبر ابتلاع حلايب وشلاتين وأبورماد بعد حادثة أديس أبابا عام 1995، أو عبر التحكم في القرار العسكري والسياسي السوداني، خاصة في ظل الأنظمة التي تبنت المشروع الإسلاموي وارتبطت عضوياً بالمؤتمر الوطني، وهو في حقيقته كيان هجين يجمع بين مصالح نخبة انتهازية ومطامع إقليمية مصرية.

لقد ظل السودان، منذ استقلاله الشكلي، رهينة تصور مصري بائس يختزل العلاقة في “الأخ الأكبر والأخ الأصغر”، وهو ما تجلّى بصورة سافرة خلال الثورة السودانية في ديسمبر 2018، حين تحولت القاهرة إلى مركز لإعادة تموضع الثورة المضادة. فجاءت التعليمات مباشرة لرئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان بعد زيارته المشهورة للقاهرة، ليُنفذ مجزرة القيادة العامة التي تكررت لاحقاً في أكتوبر 2021 بانقلابه على السلطة المدنية، وصولاً إلى إشعال الحرب الراهنة في 15 أبريل، التي وقفت فيها مصر موقفاً لا لبس فيه لصالح الجيش، مدفوعة بهواجس السيطرة، لا بمبادئ احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وفي الوقت الذي كانت فيه القوى المدنية تعمل على صياغة مشروع انتقال ديمقراطي حقيقي، كان السيسي يصف قوات الدعم السريع بأنها “عشائرية وقبلية”، في خطاب ينضح بالعنصرية ويعكس استخفافاً بمكونات الثورة. لم يكن الموقف المصري معبراً عن حياد أو رغبة في استقرار السودان، بل عن سعي محموم لإبقاء المؤسسة العسكرية في موقع السيطرة، لأنها ببساطة الضامن الوحيد لمصالح مصر من مياه النيل حتى الثروات المعدنية، مروراً بملف سد النهضة، والنفوذ في البحر الأحمر.

ولم تتورع القاهرة عن استضافة كبار قادة النظام السابق، وعلى رأسهم صلاح قوش ومحمد طاهر إيلا، وفتح المجال الإعلامي أمام أبواق الفلول لتشويه الثورة والديمقراطية والتعايش الوطني.

مصر تراجع حساباتها وتغازل الدعم السريع

غير أن موازين القوى بدأت في التحول، ومعها تبدّلت لهجة القاهرة ومواقفها. فبعد أن باتت قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق حيوية ذات كثافة سكانية واقتصادية في العاصمة والولايات، ووصلت قبضتها إلى المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، بدأت مصر – بحسها الاستخباراتي البراغماتي – تعيد النظر في تحالفاتها داخل المشهد السوداني.

وبحسب معلومات متداولة في أوساط دبلوماسية وإعلامية، فإن اتصالات غير معلنة جرت مؤخراً بين مسؤولين أمنيين مصريين وقيادات في الدعم السريع، محورها الأساسي تأمين المصالح المصرية في الإقليم الحدودي، وضمان استمرار تدفق الموارد الاقتصادية الخام إلى مصر بأسعار تفضيلية، مع احتمالات تعميق التنسيق الحدودي لضبط مسارات الهجرة والتجارة العابرة.

هذا التوجه المصري الجديد يكشف بجلاء أن القاهرة لا تنطلق في علاقتها مع السودان من أي مبدأ أخلاقي أو تضامن تاريخي، بل تحركها مصالحها الآنية والبراغماتية الخشنة، وقد أيقنت أن رهانها التقليدي على المؤسسة العسكرية المركزية بات خاسراً. فبينما تعجز نخبة المركز عن تغيير موازين الحرب على الأرض، تبحث مصر عن موطئ قدم في الواقع الجديد عبر قنوات خلفية مع الفاعل الأقوى ميدانياً.

عموما، ليس في سلوك الدولة المصرية ما يدعو للدهشة، فقد ظلت تمارس السياسة تجاه السودان بمنطق “فرّق تسد”، عبر تسليح الفلول، والترويج لخطاب عنصري، والتحكم في مسارات الانتقال. لكن الجديد في المشهد هو أن المعطيات الميدانية فرضت على القاهرة أن تعترف – ضمناً – بأن الهيمنة المطلقة لم تعد ممكنة، وأن السودان الجديد لن يُدار بعقلية الخمسينيات.

فهل تستوعب القاهرة هذا التحول؟ وهل تتخلى عن أوهام التفوق الزائف وتنخرط في علاقة نديّة مع السودان، أم تواصل انتهاج نهجها القديم حتى لو أدى إلى دفع السودانيين نحو شركاء إقليميين أكثر احتراماً لسيادتهم؟
الزمن وحده كفيل بالإجابة، ولكن الشعوب التي اختبرت الوعي والسيادة لن تعود إلى بيت الطاعة مهما اشتدت المؤامرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!