رأي

التأسيس ومعنى الشرعية: حين تختنق السياسة داخل الإجراء

سمية النور دهب

 

 سمية النور دهب

يعود الجدل حول “التأسيس” في السودان كلما وصلت الدولة إلى حافة الانهيار، وكأنه سؤال مؤجل لا يُطرح إلا تحت ضغط الكارثة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المصطلح نفسه، بل في الطريقة التي يُفرَّغ بها من مضمونه، ويُعاد حبسه داخل قوالب إجرائية مألوفة أثبتت التجربة عجزها عن إنتاج دولة عادلة أو مستقرة.

يُقدَّم التأسيس أحيانًا باعتباره خطرًا على التاريخ أو تهديدًا للذاكرة، بينما هو في جوهره فعل إعادة تعريف: إعادة تعريف للدولة، للشرعية، ولمن يملك الحق في صياغة المستقبل. فالتأسيس لا يعني محو الماضي، بل مساءلته، ولا يستهدف الذاكرة بوصفها إرثًا اجتماعيًا حيًا، بل يواجه احتكارها داخل سردية رسمية صاغتها دولة مركزية أقصت قطاعات واسعة من المجتمع.

المشكلة أن النقاش يُنقل عمدًا من سؤال الغاية إلى سؤال الوسيلة. بدل أن نسأل: أي دولة نريد؟ ولصالح من تُبنى؟ ينشغل الخطاب العام بمحاكمة “الأداة”، وكأن تاريخ الدولة السودانية لم يكن مشبعًا بالعنف المنظم والغلبة وفرض السلطة من أعلى. هذا الانزياح لا يعبّر عن حرص أخلاقي بقدر ما يعكس خوفًا من القطيعة مع بنية قائمة راكمت الامتيازات باسم القانون والتوافق.

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تكون الإجراءات كافية بذاتها لإنتاج شرعية. الشرعية لا تُختزل في نصوص أو انتخابات معزولة عن واقع غير متكافئ، بل تُبنى عبر علاقة اعتراف متبادل بين الدولة والمجتمع. وحين تفشل الدولة في تمثيل مواطنيها، تتحول القوانين إلى أدوات امتثال قسري لا مصادر قناعة، وتصبح “الشرعية” قشرة تخفي فراغًا عميقًا.

تجربة السودان مع الانتقالات المتكررة تكشف هذا الخلل بوضوح: كل مرة يُعاد تدوير الحل نفسه—توافق نخبوي، ترتيبات مؤقتة، ثم عودة الأزمة بأشكال أعنف. ما لم يُمس جوهر الدولة، وما لم تُفكك بنية المركز والهيمنة، سيظل أي انتقال مجرد هدنة مؤقتة داخل دورة فشل ممتدة.

التأسيس الحقيقي ليس احتفالًا لغويًا ولا مقامرة سياسية، بل ضرورة تاريخية. هو لحظة تعيد فيها السياسة إلى المجتمع، وتُبنى الدولة على مبدأ المواطنة المتساوية لا الامتثال، وعلى العدالة لا التسويات الهشة. من دون هذا الأفق، سيظل الحديث عن “ضبط المفاهيم” حارسًا للقديم، لا جسرًا نحو مستقبل مختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!