
إيمان التجاني
في أزمنة الانهيار، تتعرّى حدود اللغة السياسية، ويصبح الجدل حول المفاهيم انعكاسًا مباشرًا للصراع على المعنى والمصير. هكذا يعود “التأسيس” إلى واجهة النقاش السوداني، لا بوصفه مصطلحًا أكاديميًا مجردًا، بل كمرآة لأزمة أعمق تتعلق بعجز الدولة عن إعادة إنتاج نفسها على أسس مقبولة اجتماعيًا.
غالبًا ما يُختزل التأسيس في كونه مغامرة غير مأمونة، أو تهديدًا للاستقرار والذاكرة، بينما يتم تقديم البدائل الإجرائية بوصفها الطريق العقلاني الوحيد. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة جوهرية: الإجراءات لا تصنع شرعية إذا لم تستند إلى إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالشرعية ليست نتاج ترتيب شكلي، بل ثمرة إحساس جماعي بالإنصاف والانتماء.
ما يلفت الانتباه أن النقاش العام ينشغل بتقويم الوسائل أكثر من مساءلة الغايات. يُدان أي طرح جذري بدعوى الخروج عن المسار الآمن، دون الالتفات إلى أن هذا “المسار” نفسه قاد مرارًا إلى الانسداد والانفجار. وحين يُعامل التأسيس كخطر بحد ذاته، تتحول اللغة إلى أداة لضبط السياسة لا لتحريرها.
في السياق السوداني، لم تكن الدولة يومًا كيانًا محايدًا، بل تشكّلت عبر مركزية السلطة وتهميش الأطراف، وتحوّل القانون فيها إلى وسيلة إدارة للامتياز أكثر من كونه إطارًا للمواطنة. لذا فإن الاكتفاء بإعادة تشغيل الآليات القديمة، مهما بدا ذلك منظمًا، لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
التأسيس، في معناه العميق، ليس نقيضًا للتاريخ ولا قفزًا عليه، بل محاولة لإعادة قراءته من زاوية من أُقصوا عنه طويلًا. وهو ليس وعدًا بالعنف ولا قطيعة عبثية، بل سعي لإرساء عقد جديد يعترف بتعدد المجتمع ويكسر احتكار القرار والذاكرة معًا.
إن الخوف من التأسيس غالبًا ما يخفي خوفًا من فقدان السيطرة على تعريف الشرعية نفسها. فحين يصبح المجتمع هو مصدر المعنى والسيادة، تتراجع أدوار النخب التي اعتادت إدارة الانتقالات من أعلى. لهذا يُعاد إنتاج خطاب “السلامة الإجرائية” بوصفه حكمة سياسية، بينما هو في كثير من الأحيان تفادٍ للأسئلة الأصعب.
المستقبل لا يُبنى بحراسة الماضي، بل بجرأة مساءلته. والتأسيس، بهذا المعنى، ليس امتحانًا للوسيلة، بل سؤالًا مفتوحًا حول أي دولة يمكن أن تستحق ولاء مواطنيها، وأي شرعية يمكن أن تصمد خارج منطق الغلبة والوصاية.




